جريدة إلكترونية مغربية

ورقة مشركة من دفتاري.. هل يعاقب المجتمع من يسقط، أم من يجرؤ على الكلام؟

لطيفة بنعاشير

هناك أغان تستهلك، وهناك أغان تقرأ، وهناك أعمال فنية لا تسمع فقط، بل تفكك، وتناقش، وتحاكم، لأنها تجرأت على طرق أبواب ظلت مغلقة، وعلى فتح ملفات اعتدنا دفنها تحت الصمت والخوف والأحكام الجاهزة.

لم يعد جواد أصردي، المعروف فنيا باسم بوز فلو، مجرد فنان راب عابر، بل تحول إلى ظاهرة فنية فرضت نفسها على النقاش العام. فحين تصبح الكلمات موضوعا للتفكيك والتحليل، وحين تجد الأغنية نفسها داخل أروقة القضاء، وحين يخضع الإبداع للنقاش والقراءة، فإننا لا نتحدث عن موسيقى فقط، بل عن ظاهرة تجاوزت حدود الاستوديو.

في إصداره الجديد، «ورقة مشركة من دفتاري»، لا يبدو بوز فلو وكأنه يقدم أغنية بقدر ما يفتح دفتره الشخصي، أو ربما دفتر جيل بأكمله، جيل قرر أن يتحدث عن كل ما ظل، لسنوات طويلة، مسكوتا عنه.

هنا، لا يتحدث بوز فلو عن المخدرات باعتبارها مادة فقط، بل عن الألم. لا يتحدث عن الإدمان باعتباره اختيارا حرا دائما، بل كرحلة معقدة من السقوط، والهشاشة النفسية، والفراغ، والبحث عن الانتماء، والشعور بالضياع.

فالمدمن ليس وحشا، وليس بطلا.

إنه إنسان، يسقط، ويقاوم، وينتكس، ويحاول النجاة.

وأنا أستمع إلى هذه الكلمات، لا أرى بوز فلو يتحدث عن نفسه فقط، بل أراه يتحدث باسم فئة كاملة وجدت نفسها في مواجهة المخدرات قبل أن تدرك حجم المعركة التي دخلتها.

هنا، أتذكر ما رأيته وعشته كفاعلة في الميدان الصحي بمدينة الخميسات. أتذكر وجوه شباب التقيتهم، وحكايات طويلة سمعتها، وشبابا لم يكونوا مشاريع مجرمين، بل مشاريع أحلام صغيرة ضاعت في الطريق. كانوا يتحدثون عن الوحدة، والخوف، وفقدان المعنى، والرغبة في الهروب من واقع لا يمنحهم الكثير من الأمل.

ولهذا، حين يتحدث بوز فلو، أشعر أنه يحمل على كتفيه أصواتا كثيرة لا تستطيع الكلام، وأنه اختار، باسمه وشخصيته الفنية، أن يبوح بما يعجز كثيرون عن البوح به.

لقد ارتبط اسم جواد بتجربة الاعتقال، والجدل، والنقاش الذي رافق أعماله الفنية، كما خضعت كتاباته وأغانيه للتحليل والاستجواب والتفكيك. وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه، فإننا أمام حالة فنية نادرة جعلت من الكلمة موضوعا للنقاش، ومن الراب مساحة للتعبير عن واقع يعيشه جزء من الشباب.

وفي «ورقة مشركة من دفتاري»، يبدو وكأنه يحاكم نفسه قبل أن يحاكمه الآخرون.

لا يتحدث من موقع البطل، بل من موقع الإنسان.

الإنسان الذي سقط، والإنسان الذي انتكس.

 

والإنسان الذي خاف على أمه أكثر مما خاف على نفسه، والإنسان الذي اختار أن يحول ألمه إلى كلمات.

ومن أقوى ما جاء في هذا العمل، تلك الفكرة البسيطة والعميقة:

– الإنسان ثلاثة: لحم، ونفسية، ومجتمع.

ثلاث كلمات تختصر مأساة كاملة.

فالجسد قد يسقط.

والنفسية قد تنهار.

والمجتمع قد يكون سندا، وقد يكون جزءا من المأساة.

الأخطر أن مجتمعاتنا ما زالت تحاكم المدمن أكثر مما تحاول فهمه.

نسأل: ماذا استهلك؟

ولا نسأل: ماذا كان يستهلكه الألم في داخله؟

نسأل: لماذا سقط؟

ولا نسأل: من تركه يسقط؟

نسأل: لماذا أدمن؟

ولا نسأل: أين كنا حين كان يحتاج إلى من يصغي إليه؟

ومن أكثر الصور ألما في هذا العمل، صورة الأم.

 

الأم التي تستيقظ كل صباح على خوفها.

الأم التي لا تدمن المخدرات، لكنها تدمن القلق.

الأم التي لا تسقط، لكنها تتكسر بصمت.

فالإدمان لا يقتل شخصا واحدا فقط، بل يترك عائلات بأكملها تنزف في صمت.

ومن الظلم أيضا أن ننظر إلى الانتكاسة باعتبارها نهاية الطريق.

فالتعافي ليس خطا مستقيما.

إنه سقوط ونهوض.

إنه حرب طويلة.

إنه معركة لا يراها أحد.

ولا أقرأ «ورقة مشركة من دفتاري» كأغنية عن المخدرات فقط، بل كرسالة عن الإنسان، وعن الهشاشة، والخوف، والأم، والانتكاسة، والرغبة في النجاة.

وأقرأها أيضا كشكل من أشكال العلاج بالفن، حين تتحول الجراح إلى كلمات، والكلمات إلى نقاش، والنقاش إلى فرصة لإعادة التفكير في الطريقة التي ننظر بها إلى الإدمان، والصحة النفسية، والإقصاء.

فالكتابة علاج.

والموسيقى علاج.

والإبداع علاج.

 

والفن ليس ترفا.

الفن رسالة.

الفن مقاومة.

الفن نجاة.

لكن، بعد كل ما عاشه بوز فلو، وبعد الاعتقال، والجدل، والأحكام المسبقة، والنقاش الذي رافق كتاباته وأغانيه، هل سيتصالح المجتمع مع جواد؟

هل سيتم إدماج هذا الشاب من جديد؟

هل نحن فعلا مجتمع يؤمن بفرصة ثانية؟

هل نريد إعادة الإدماج، أم نريد فقط استمرار الإقصاء؟

هل المجتمع الذي يرفع شعار الاحتواء قادر على احتضان من سقطوا؟

هل نملك الشجاعة لنستمع إلى شباب يشبهون جواد، أم أننا نفضل استمرار الصمت؟

هل نريد محاربة الإدمان، أم محاربة المدمن؟

وهل بوز فلو حالة استثنائية؟

أم أن هناك آلاف الشباب الذين يشبهونه، لكنهم لا يملكون اسما فنيا، ولا جمهورا، ولا ميكروفونا، ولا قدرة على إيصال صراخهم؟

وربما السؤال الأكثر إيلاما:

حين يقرر شاب أن يتحدث بدل أن يصمت، هل نعاقبه لأنه أخطأ؟

أم لأن صوته أزعجنا؟

لأن أخطر المخدرات ليست تلك التي تباع في الأزقة فقط، بل ذلك الشعور القاتل الذي يجعل الإنسان يعتقد أنه غير مرئي، وغير مسموع، وغير مهم.

وربما لهذا السبب، فإن «ورقة مشركة من دفتاري» ليست مجرد أغنية.

إنها اعتراف.

إنها صرخة.

إنها جلسة علاج مفتوحة.

وربما أيضا.. ورقة مشركة من دفتر جيل كامل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.