جريدة إلكترونية مغربية

“عندما يفقد الاستحقاق معناه : قراءة في جذور الغش المدرسي.”

إن الغش في الامتحانات ليس مجرد مشكلة تربوية تقنية يمكن القضاء عليها بكاميرات المراقبة أو بأجهزة الكشف عن الغش أو بتشديد العقوبات، بل هو في جوهره مرآة تعكس حالة العلاقة بين المدرسة والمجتمع، وبين النجاح والاستحقاق، وبين القانون والقيم. ولذلك فإن نجاح الإصلاح التعليمي الذي يطمح إليه المغرب لن يقاس فقط بتحسين المؤشرات الكمية الدالة على التعلمات أو رفع نسب النجاح فيها ،كما تدعي وتعمل المدرسة الرائدة على تحقيقه، بل بقدرته على بناء مدرسة تُعيد الاعتبار للعلم والعمل والنزاهة، وتُخرج مواطناً يؤمن بأن التقدم الحقيقي لا يتحقق بالغش وبالتحايل وبالمحسوبية و الطرق المختصرة، وإنما بالاجتهاد والكفاءة والمسؤولية. وعندما تلتقي إصلاحات المناهج والتقويم والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة ، مع إصلاح ثقافي وقيمي أوسع، يصبح الغش استثناءً معزولاً بدل أن يظل ظاهرة متكررة تكشف كل سنة عن اختلالات أعمق في المدرسة والمجتمع معاً. لأن الغش في جوهره ليس قضية امتحان فقط، بل قضية قيم وعمران وتربية ومواطنة.
ولا بأس أن نكرر ، بأن الغش في الامتحانات ليس مجرد مخالفة عابرة، بل هو ظاهرة تؤشر على طبيعة العلاقة التي تربط المجتمع بقيم العمل والاستحقاق والنزاهة.
فإذا كان الرسول الأعظم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، قد نهانا عن الغش ، “من غشنا فليس منا”، و الغزالي قد جعل مراقبة النفس أساس الأخلاق، وإذا كان ابن خلدون قد ربط صلاح العمران بصلاح القيم، وإذا كان الراضي و الجابري والعروي و سبيلا وغيرهم من العلماء والمفكرين الأفذاذ ،قد أكدوا أن إصلاح التعليم لا ينفصل عن إصلاح المجتمع، وإذا كان المهدي المنجرة قد اعتبر أزمة القيم أصل الأزمات كلها، فإن محاربة الغش لا ينبغي أن تُختزل في تشديد المراقبة والعقوبات، بل يجب أن تتحول إلى مشروع وطني لإعادة بناء الثقة في المدرسة، وترسيخ ثقافة الاستحقاق، وتكوين مواطن يؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يُنال بالتحايل، وإنما بالعلم والعمل والكفاءة.”

الأستاذ و الباحث في التربية محمد الدريج

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.