جريدة إلكترونية مغربية

الخميسات.. معركة الوثائق تشتعل، والمواطن ما زال ينتظر فتح المستعجلات

لطيفة بنعاشير

لا يختلف اثنان على أن الترافع عن قضايا الصحة والماء والبنيات التحتية هو من صميم العمل السياسي، وأن من حق كل منتخب أن يتابع الملفات التي تهم دائرته وأن يخبر الرأي العام بما يقوم به في حدود اختصاصاته.
غير أن ما يثير الانتباه بإقليم الخميسات خلال الآونة الأخيرة هو أن عددا من المشاريع العمومية تحولت إلى محور تنافس سياسي وإعلامي، حتى بدا وكأن النقاش لم يعد يتمحور حول خدمة المواطن، بل حول من ينسب إليه الإنجاز.

ويأتي هذا السجال في سياق سياسي خاص بدائرة تيفلت–الرماني، حيث كانت رئيسة المجلس الإقليمي، بشرى الوردي، والنائب البرلماني حسن الفيلالي، ينتميان معا إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، قبل أن تغادر رئيسة المجلس الحزب وتلتحق بحزب الأصالة والمعاصرة، لتصبح المنافسة السياسية بين الطرفين قائمة داخل الدائرة الانتخابية نفسها.

ومنذ ذلك الحين، يلاحظ عدد من المتابعين للشأن المحلي تصاعدا في وتيرة الخطاب السياسي المرتبط بعدد من المشاريع العمومية. ففي ملف مستعجلات سيدي علال البحراوي، كما في ملف التزويد بالماء الصالح للشرب، تداولت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مراسلات ووثائق رسمية وتدوينات تبرز، بحسب ما ورد فيها، جهود النائب البرلماني في تتبع هذه الملفات، بينما نشرت رئيسة المجلس الإقليمي بدورها وثائق رسمية وتدوينة أوضحت فيها مسار مساهمة المجلس الإقليمي في هذا الورش.


وبالرجوع إلى مضمون التدوينة، يتبين أنها لم تقدم المشروع باعتباره إنجازا شخصيا لرئيسة المجلس، بل تحدثت عن الخصاص الحاصل في الموارد البشرية بقطاع الصحة، وأشادت بالمبادرة التي أطلقها المجلس الإقليمي لتعزيز هذه الموارد، مؤكدة أن مساهمة المجلس تأتي في حدود اختصاصاته القانونية، كما أشارت إلى اللقاءات التنسيقية التي جمعت عامل إقليم الخميسات، والمندوب الإقليمي لوزارة الصحة، وباقي المتدخلين، مع تجديد استعداد المجلس للإسهام في التعجيل بافتتاح مصلحة المستعجلات، خدمة لساكنة سيدي علال البحراوي والجماعات المجاورة.

وهنا يطرح سؤال مشروع:
إذا كانت التدوينة نفسها تتحدث عن دور المجلس الإقليمي، وعامل الإقليم، والمندوبية الإقليمية للصحة، ولا تنسب الإنجاز إلى شخص واحد، فلماذا تحولت إلى محور سجال سياسي؟ وهل كان نشر هذه الوثائق مجرد توضيح للرأي العام، أم ردا على روايات متداولة حاولت اختزال هذا المشروع في مجهود جهة واحدة؟
كما تفرض المرحلة أسئلة أخرى:
هل نحن أمام تواصل سياسي طبيعي، أم أمام بداية تنافس انتخابي مبكر حول من يحتكر صورة الإنجاز؟
وهل يصبح انتقال مسؤول منتخب من حزب إلى آخر سببا كافيا لتحويل كل خطوة مؤسساتية يقوم بها إلى مادة للتشكيك والنقاش؟
وهل تمنح المرأة في العمل السياسي المساحة نفسها لإبراز عمل المؤسسة التي ترأسها، أم تواجه بقراءات مختلفة كلما أصبحت منافسة داخل الدائرة الانتخابية نفسها؟
وهل كان المطلوب من رئيسة المجلس الإقليمي أن تلتزم الصمت، رغم تداول منشورات تقدم المشروع وكأنه ارتبط بجهة واحدة، أم أن من حقها، كرئيسة لمؤسسة منتخبة، أن تعرض للرأي العام وثائق رسمية تبرز مساهمة المجلس إلى جانب باقي المؤسسات؟

فالوثائق المتداولة من مختلف الأطراف تؤكد حقيقة واحدة، وهي أن هذا المشروع لم يكن ثمرة تدخل جهة واحدة، بل شاركت فيه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، والسلطات الإقليمية، والمندوبية الإقليمية، والمجلس الإقليمي، والمجلس الجماعي، وغيرهم من المتدخلين، كل في حدود اختصاصاته.

ووفق مصادر مطلعة، فإن رئيس جماعة سيدي علال البحراوي ساهم من ماله الخاص في إنجاز بعض أشغال الربط بالماء والكهرباء الخاصة بمصلحة المستعجلات، بهدف إزالة آخر العراقيل التقنية التي كانت تؤخر افتتاحها، في مبادرة تروم تسريع إخراج هذا المشروع إلى حيز الخدمة.

كما أفادت المصادر نفسها أن لجنة مركزية من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية حلت بالمرفق خلال بداية هذا الأسبوع، وبعد الوقوف على مدى جاهزيته، تقرر تأجيل افتتاحه إلى حين استكمال تجهيز وتركيب مصلحة الأشعة، حتى تقدم المؤسسة خدماتها في ظروف تستجيب للمعايير المطلوبة، بدل افتتاحها بشكل جزئي.

وأضافت المصادر ذاتها أن الموارد البشرية التي ستشتغل بالمصلحة تم تعيينها، وهي تخضع حاليا لفترة تدريب وتأهيل بالمستشفى الإقليمي بالخميسات، استعدادا لمباشرة مهامها فور استكمال التجهيزات التقنية.

وأمام هذه المعطيات، تبرز أسئلة لا تقل أهمية عن كل الوثائق المتداولة:
هل يهم المواطن من نشر أول وثيقة، أم يهمه أن يجد المستعجلات مفتوحة عندما يحتاج إليها؟
وهل سيختصر تبادل البلاغات والمنشورات مدة انتظار المرضى؟
وهل يجوز أن يتحول مشروع صحي انتظرته الساكنة سنوات إلى مادة للسجال السياسي، بينما لا يزال المواطن ينتظر موعد الافتتاح؟
وإذا كانت اللجنة الوزارية قد وقفت على آخر الترتيبات، وإذا كانت الموارد البشرية أصبحت متوفرة، فما الذي يؤخر استكمال مصلحة الأشعة؟ وهل من المقبول أن يبقى المواطن هو من يؤدي ثمن هذا التأخير؟

ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد، بل تكرر المشهد نفسه في ملف التزويد بالماء الصالح للشرب، بعدما جرى تقديم البرنامج الاستعجالي الذي تنفذه الشركة الجهوية متعددة الخدمات الرباط–سلا–القنيطرة، في بعض المنشورات، في سياق إبراز جهود الترافع السياسي، بينما تؤكد البلاغات الرسمية أنه برنامج مؤسساتي تشارك في تنفيذه جهات عمومية مختصة وفق مخططات تقنية واستثمارية.

ولا أحد ينكر حق أي منتخب في الترافع عن قضايا منطقته، لكن من الواجب أيضا الإقرار بأن المشاريع العمومية لا تنجز بقرار فردي، ولا يمكن اختزالها في شخص أو حزب، لأنها ثمرة عمل مؤسساتي تشارك فيه الدولة بمختلف مؤسساتها، والسلطات الترابية، والجماعات الترابية، والمنتخبون، والإدارة، كل في حدود اختصاصاته.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، من الطبيعي أن يشتد الحضور السياسي في الفضاء الرقمي، وأن يسعى كل فاعل إلى إبراز حصيلته.

غير أن الرأي العام أصبح أكثر وعيا، ويميز بين الترافع المشروع الذي يخدم المصلحة العامة، وبين محاولة احتكار صورة الإنجاز في مشاريع هي في الأصل ملك لجميع المواطنين.

ويبقى السؤال الذي ينتظر ساكنة دائرة تيفلت–الرماني وإقليم الخميسات جوابا واضحا:
هل سنشهد خلال المرحلة المقبلة سباقا حقيقيا لخدمة المواطن، أم سباقا على كسب معركة الرواية على مواقع التواصل الاجتماعي؟
وهل ستنتصر لغة العمل المؤسساتي، أم ستظل المشاريع العمومية تستعمل في التجاذبات السياسية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية؟

في النهاية، لن يتذكر المواطن من نشر الوثيقة أولا، ولا من تصدر المشهد الرقمي، بل سيتذكر من ساهم فعلا في تقريب الخدمات إليه، ومن احترم حقه في العلاج بعيدا عن كل أشكال الاستقطاب.
فصحة المواطن ليست غنيمة انتخابية، ولا ورقة لتسجيل النقاط السياسية، بل حق دستوري ومسؤولية جماعية، والمشاريع العمومية لا يملك أحد حق احتكارها أو نسبها لنفسه، لأنها ثمرة عمل مؤسساتي يجب أن يكون عنوانه الأول والأخير: خدمة المواطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.