ألوان تعبر الحدود بالملتقى الأكاديمي الدولي الثاني .. التجربة العربية في ورشة الفن التشكيلي والمعرض الجماعي
لم يكن حضور الفنانين العرب في الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي مجرد مشاركة في برنامج ثقافي عابر، بل شكل تجربة إنسانية وجمالية عكست قدرة الفن على تجاوز الحدود الجغرافية وصناعة فضاء عربي مشترك للحوار والإبداع. ففي رحاب المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، ومن خلال ورشة الفنون التشكيلية، ثم داخل قاعة العرض بفندق كنزي تاور التي احتضنت المعرض الجماعي، تلاقت الرؤى الفنية، وتفاعلت التجارب، لتتحول الدار البيضاء إلى منصة عربية تحتفي بالاختلاف وتمنح التعدد الثقافي بعداً جماليا جديدا.

جاءت هذه الفقرة الفنية، التي نظمتها جمعية آرت وايف ضمن برنامج الملتقى، لتترجم عملياً الأفكار التي ناقشتها الندوات الأكاديمية حول رهانات الفن المعاصر ووظائفه الثقافية والمعرفية. فبدلاً من الاكتفاء بالنقاش النظري، انتقلت تلك الأسئلة إلى فضاء الممارسة، حيث أصبح اللون والخط والخامة لغةً للحوار، وتحولت اللوحات إلى نصوص بصرية تفتح آفاقاً متعددة للقراءة والتأويل.

شكلت الورشة مناسبة لتبادل الخبرات بين الفنانين، إذ أتاحت لهم الاشتغال في فضاء واحد، وتقاسم تقنيات الإنجاز، ومناقشة منطلقاتهم الفكرية والجمالية، بما أفرز دينامية فنية كشفت عن التقاطعات التي تجمع التجارب العربية رغم اختلاف بيئاتها الثقافية. أما المعرض الجماعي، فقد قدم للجمهور بانوراما تشكيلية واسعة، أبرزت تنوع المدارس والأساليب، من التجريد إلى التعبيرية، ومن الاشتغال الرمزي إلى المقاربات التجريبية، في مشهد بصري يعكس حيوية الفن العربي المعاصر.

سجل الفنانون المغاربة حضورا لافتا من خلال مشاركة سليم عبد الحق، عمان مبارك، رشيد زيزي، إبراهيم العامري، نعيمة الشرقاوي، ليلى بنشقرون، جميلة علوش، بشرى الصمودي، بالحبيب عثمان، وشلا الزموري. وقد عكست أعمالهم خصوصية التجربة المغربية، التي استطاعت أن تؤسس لنفسها موقعاً متقدماً داخل المشهد التشكيلي العربي، بفضل قدرتها على الجمع بين استلهام التراث والانفتاح على التجريب، وبين الذاكرة المحلية والرهانات البصرية المعاصرة، وهو ما منح المعرض بعداً ثقافياً يعكس ثراء الهوية الفنية المغربية.

ومن المملكة العربية السعودية، شارك الفنانون نهار مرزوق، ناصر الخرجي، أحمد السلامة، ونوف الصقر، مقدمين أعمالاً تنهل من التراث العربي، لكنها تعيد صياغته ضمن رؤى تشكيلية حديثة، تؤكد التحولات النوعية التي يشهدها الفن السعودي، سواء على مستوى اللغة البصرية أو على مستوى الانفتاح على التجارب العالمية، مع الحفاظ على مرجعياته الثقافية الأصيلة.
أما العراق، فقد حضر من خلال الفنان صلاح الحيثاني، الذي حملت أعماله بصمات الحضارة الرافدية، واستثمرت رموزها التاريخية في بناء خطاب بصري معاصر، يجعل من اللوحة فضاءً لاستحضار الذاكرة، وإعادة تأويل التاريخ بلغة تشكيلية تستجيب لحساسية الفن الحديث.
ومن تونس، شارك الفنانون غازي حسني، كنزة الصحراوي، إيمان بن إبراهيم، ونجوى بلفقيه الغنوشي، مقدمين أعمالاً اتسمت بجرأة التجريب، وثراء البناء التشكيلي، والانشغال بالبعد المفاهيمي للصورة. وقد كشفت مشاركتهم عن دينامية الساحة التشكيلية التونسية، التي تواصل ترسيخ حضورها داخل المشهد العربي من خلال تجارب تجمع بين العمق الفكري والابتكار الفني.
وكان للحضور الفلسطيني وقع خاص، بمشاركة الفنانين عماد خوري، أحمد كنعان، حنان ميلاد، جريس سلمان، إيميلي عازار، إيمان بني ربيعة، تمارا سلام، فادي عازر، ومروى سلام. فقد حملت أعمالهم أبعاداً إنسانية مؤثرة، استحضرت المكان والذاكرة والهوية، وحولت اللوحة إلى مساحة للتشبث بالوجود، وإلى خطاب بصري يؤكد أن الإبداع يظل أحد أكثر أشكال المقاومة قدرة على حماية الذاكرة وصون الهوية الثقافية.


أثبتت هذه التظاهرة أن اللقاء بين الفنانين العرب لا يقتصر على عرض الأعمال الفنية، بل يؤسس لحوار ثقافي مستدام، تتلاقح فيه الرؤى وتتقاطع فيه الخبرات، بما يسهم في تطوير الخطاب التشكيلي العربي، وتعزيز حضوره في الساحة الدولية. كما أبرزت الورشة أهمية العمل الجماعي بوصفه مدخلاً لتبادل المعارف الفنية، وتوسيع آفاق التعاون بين المبدعين، بما يخدم مستقبل الحركة التشكيلية العربية.

لقد نجح المعرض الجماعي في تقديم صورة نابضة عن تنوع الإبداع العربي، وأكد أن الفن التشكيلي أصبح قوة ثقافية قادرة على مد جسور التواصل بين الشعوب، وإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية المشتركة. ومن هذا المنطلق، رسخ الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي مكانته كموعد عربي يجمع الفنانين والباحثين والنقاد حول مشروع ثقافي يؤمن بأن الإبداع ليس ترفاً جمالياً، بل ركيزة من ركائز الحوار الحضاري، وأحد أهم أدوات بناء المستقبل وترسيخ ثقافة السلام والانفتاح والتعايش.