أعماق البشر.. كالبحر هادئ في الظاهر وغدّار في البواطن
بقلم: محمد بلحاج
نصفد أحياناً عقولنا وقلوبنا لنسلّم بحسن نوايا من حولنا، متخذين من حسن الظن قاعدة لا تقبل الاستثناء. غير أن واقع الحياة كثيراً ما يصفعنا بحقائق مؤلمة تكشف أن الإنسان، بكل تعقيداته، أشبه ما يكون بالبحر الواسع، صفحته الخارجية تخدع الناظرين، وأعماقه تخفي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
وجه هادئ ومظهر مضلل
حين تقف على شاطئ البحر في يوم صيفي جميل، تأخذك روعة الهدوء وصفاء المياه. تظن للوهلة الأولى أنه ملاذ آمن، صفحة زرقاء ناعمة تداعب الرمال بسلاسة. هكذا هم بعض البشر في بداية التعارف، ابتسامات عريضة، كلمات معسولة، ومظهر يوحي بالبساطة والود المطلق. يمنحونك إحساساً كاذباً بالأمان، وتطمئن لجانبهم ظناً منك أنك وجدت المأوى الهادئ وسط صخْب الحياة.
دوامات الأعماق وخبايا النفوس
ولكن.. ما إن تغوص قليلاً إلى الداخل، أو يشتد بحر الزمان وتتبدل الأحوال، حتى تكشف الأعماق عن وجهها الحقيقي. تحت ذلك الهدوء الظاهري، تكمن تيارات جارفة، صخور حادة، وأمواج عاتية قد تغرق أشد السفن صلابة.
كذلك هي قلوب بعض البشر، تختزن في الصدور أسراراً مظلمة، وأحقاداً دفينة، ونوايا لا تظهر إلا في حين وحين تختبر المواقف. غدر الزمان قد يكون قاسياً، لكن قسوة قلوب البشر تظل أشد مرارة، لأنها تأتي غالباً ممن ظنناهم السند والأمان.
العبرة في حسن الاختيار
إن الحكيم هو من لا يغتر بالظواهر، ولا يسلم قلبه بالكامل لمن لم يختبره طول السفر وشدة المحن. فالبحر وإن كان غداراً، يبقى جميلاً لمن عرف كيف يتعامل معه بحذر ووعي، وكذلك هي العلاقات الإنسانية، عنوانها الحذر الجميل، وعدم الإفراط في الثقة لمن لا يستحقها.
الله يكفينا شر قلوب البشر، ويبعد عنا كل من يضمر لنا السوء، ويهدينا إلى صحبة صادقة تكون كالبر الأمان وسط أمواج الحياة المتلاطمة.