جريدة إلكترونية مغربية

تاريخ السينما “الفن السابع” وتاريخ دور العرض بمدينة آسفي وباديتها من الأوج إلى الأفول

تعد السينما “الفن السابع” من أبرز مظاهر الحداثة التي دخلت المغرب في مطلع القرن العشرين، ولم تكن مدينة آسفي بمعزل عن هذا المد الثقافي. بحكم موقعها البحري وانفتاحها التجاري، كانت من أوائل المدن التي احتضنت عروض السينما، فتحولت القاعات إلى فضاء للفرجة والتلاقي وتشكيل الوعي الجمعي لأجيال متعاقبة.

كانت البدايات من العروض الصامتة إلى قاعات الحماية

فأول قاعة عرفتها آسفي كانت “سينما فوك” قرب خلوة الإمام الجزولي. بحسب الباحث والمؤرخ وصاحب المعارض الثاريخية المتنوعة والفريدة وخزان الذاكرة إلى غير ذلك السيد سي سعيد الباهلي قد أفاد في احد القائدات الصحفية كان في مدينة أسفي قاعة سينما تدعا فوك وهي قاعة بلا سقف، يفترش فيها الجمهور الحصائر لمشاهدة الأفلام الصامتة لشارلي شابلان.

 

وقد افادني الحاج محمد منيس وسي حامد التريكي رحمه الله انه مع فترة الحماية الفرنسية وتحديداً في النصف الأول من القرن 20، عرفت المدينة طفرة عمرانية شملت بناء دور السينما لخدمة الجاليات الأجنبية والمواطنين. فظهرت “سينما سنترال” سنة 1922 بجانب المسجد الأعظم في الطريق المؤدية إلى باب الشعبة، قبالة مكتبة البوخاري وكانت في ملكية الحاج امحمد لبرادعي. وتحولت لاحقاً إلى محلات جزارة ودباغة ثم إلى محلات لبيع التوب زمن الحاج بوشعيب الورطيني لتتحول فيما بعد إلى قيسارية البويبة” لبيع الملابس الجاهزة حيث يوجد محل الغنبوري دانيل والمسقي ليلى وفاطمة أشهر ناجية من فيضان الخميس الأسود .

 

كما ظهرت *سينما مرحبا في “المدينة الجديدة ” وكانت ملكاً لشركة الملاحة الفرنسية “باكي”، قبل أن تصبح الشركة المغربية للملاحة “كوماناف”. وكانت تضم سيني كلوب لثانويتي ابن خلدون والإدريسي حيث تُعرض أفلام ثقافية صباح الأحد. ومع بيع الشركة تحول الفندق والقاعة إلى فندق “أتلانتيد”. لتغلق ابوابها سنة 2013

 

أنا اذا أردنا أن نتحدث عن العصر الذهبي للسينما في المدينة سنتوقف بالضبط في سبعينات وثمانينات القرن الماضي حيث بلغت السينما بآسفي أوجها و أصبح الخروج الأسبوعي طقساً اجتماعياً. ومن أبرز القاعات التي طبعت ذاكرة المدينة:

 

سينما رويال Cinéma Royal : السينما الملكي والتي تقع بشارع الرباط رقم 49. شيدت في فترة الحماية والتي تعود ملكيتها لاحد العائلات العريقة عائلة عيلان . كانت تعرض الكلاسيكيات العالمية والعربية والهندية. ارتبطت باسم “السي عباس” رحمه الله الذي كان ينظم الدخول ويحافظ على النظام.

اما بالنسبة للأثمنة آنذاك فقد كانت كالتالي

1.20 درهم للأسفل + 10 سنتيم للسيدة المرشدة، و2.70 درهم للبالكون + 20 سنتيم.

هذا المصطلح لن يعرفه إلى ابناء آسفي ومن عاش هذه التواريخ “العكيرة”. وتعني حصة صباح الجمعة والأحد بـ 50 سنتيم = 10 ريال، حيث يمكن مشاهدة نصف فيلم هندي ونصف فيلم كونغ فو.

أخبرني سي صلاح ابن سي حمد بن مينا انه قبل العرض كانت تُذاع أغاني عبد الحليم وأم كلثوم، وفي “لونطراكت” يشرب الجمهور “جيدور” و”لاسيكون” ويأكل المقروط وسندويتش “با الصطوف”.

أما سينما روكسي الواقعة بشارع محمد الخامس والمقابل لبساج المبروكي وممر القرمودي . كانت تابعة لسلسلة فنادق مرحبا واحتضنت أنشطة النوادي السينمائية وقد افادني سي عمار الواحدي ان هذه السينما ارتبطت بأسماء عدة مثل ، دونيس،و عبد الجبار،”، “مادونا”.

 

اما سينما الأطلس “الطليسة”*: اشتهرت بالافلام الهندية والكراطي وأفلام بروسلي وأميتاب باتشان قبل زمن شاروخان. كانت “نهار الجمعة في الصباح” مخصصة للعكيرة بعشرة ريال .

 

أما سينما الحسنية الواقعة بجنوب أسفي بحي الزاوية : والتي تعود ملكيتها إلى القائد الحاج الوازاني هي الأخرى ساهدة على أحداث تاريخية لا يذكرها إلى القدماء ومن عايش هذه الاحداث إلى وقت قريب

 

3. فضاءات أخرى

لم تقتصر الفرجة على القاعات الكبرى فقط. ففي دار الشباب “بتراب الصيني” و”دار الشباب أشبار” كانت هناك قاعات لعرض الأفلام. كما كانت بعض العروض تحمل طابعاً تضامنياً، إذ يذكر أبناء المدينة أن الدخول في 1965 كان بـ 19 ريال من أجل نصرة لفلسطين

 

لم يقتصر الإشعاع السينمائي على مدينة آسفي وحدها، بل امتد إلى المراكز المجاورة. فقد كانت “سبت جزولة” و “جمعة سحيم” تضمان هما الأخريتان قاعات للعرض السينمائي إلى زمن قريب.

 

كانت هذه القاعات متنفساً ثقافياً وترفيهياً لساكنة البوادي والجماعات القروية المحيطة، حيث كان أبناء المنطقة ينتظرون “نهار السوق” ليدخلوا يشاهدوا فيلم هندي أو أكشن، قبل أن يعودوا لديارهم.

 

مع ظهور التلفزيون والفيديو والفضائيات تراجعت دور العرض تدريجياً. اليوم أغلب القاعات مهجورة: رويال وروكسي وسنترال وغيرها أغلقت أبوابها وتحولت إلى محلات أو أطلال.

 

بقلم رضى علويش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.