في الذكرى 14 لرحيل آسية الوديع
ليست الحياة هي ما نعيشه، بل ما يبقى منا بعد أن ننتهي…ذلك أن الأعمار تُقاس بالسنوات، أما الوجود فيُقاس بالأثر؛ والناس جميعاً يعبرون الأرض، غير أن قلة منهم وحدهم يتركون على ترابها هيئة أقدامهم، ويودعون في ذاكرة الآخرين شيئاً من دفء أرواحهم، حتى إذا غابوا، بدا الغياب نفسه شكلاً آخر من أشكال الحضور.
ولعل هذا هو السر الذي يجعل بعض الراحلين أكثر حضوراً بعد الرحيل مما كانوا في الحياة.
فالموت لا ينتصر دائماً.
إنه يهزم الأجساد، لكنه يعجز عن هزيمة أولئك الذين استطاعوا أن يحولوا ذواتهم إلى معنى.
وآسية الوديع كانت واحدة من هؤلاء.
كل كتابة عن الراحلين تنطوي على مفارقة مؤلمة؛ إذ نظن أننا نستعيدهم بالكلمات، بينما الحقيقة أن الكلمات هي التي تكتشف عجزها أمام حياة كانت أكثر اتساعاً منها.
فكيف تُكتب امرأة جعلت من الرحمة منهجاً، ومن العدالة ضميراً، ومن الدفاع عن الإنسان صلاةً يومية لا تنتهي؟
وكيف يمكن للغة، أن تحتوي إنساناً عاش عمره كله في كسر الحدود بين الناس؛ بين السجين وحريته، وبين الضحية وكرامتها، وبين الطفل ومستقبله، وبين القانون وعدالته؟
كل ما نستطيع فعله هو أن نقترب…
أن نصغي إلى الصمت الذي تركته وراءها.
أن نجمع، كما يجمع طفل أصداف البحر، ما تناثر من نورها في ذاكرة الذين أحبوها.
ثمة وجوه لا تُرى بالعين، وإنما تُرى بالزمن.
كانت آسية من تلك الوجوه.
عرفتها أول مرة وأنا طفل، قبل أن أعرف معنى السياسة، وقبل أن أميز بين الحرية والقيد، وبين الظلم والعدالة.
كنت أراها تضحك، فأحسب أن العالم كله صالح للسكن.
ثم رأيتها، في صمتها، وهي تخفي دمعة أمام رجل خرج لتوه من دهاليز الغياب، فعرفت، دون أن أفهم، أن ثمة أحزاناً أكبر من عمر الطفولة.
بعد ذلك بسنوات، رأيتها تعبر بوابة السجن المركزي بالقنيطرة كما يعبر المؤمن باب معبده.
لم تكن تزور سجناء.
كانت تزور جزءاً من ضمير الوطن.
وكانت تحمل إليها ما لا تستطيع السلطات مصادرته…
الأمل.
ومنذ تلك اللحظة، أدركت أن بعض النساء لا يحملن الحياة في أرحامهن فقط، بل يحملنها أيضاً في ضمائرهن.
لم تكن آسية الوديع تبحث عن البطولة.
فالبطولة، في الغالب، تُغري أصحابها بالوقوف تحت الأضواء.
أما هي، فكانت تختار دائماً الظل.
كانت تؤمن أن العمل الذي يعرف طريقه إلى الكاميرات يفقد شيئاً من صدقه، وأن الخير، مثل الماء، كلما كان صامتاً كان أقدر على إنبات الحياة.
ولهذا لم تكن ترى في المناصب نهاية الطريق، بل مجرد وسائل للاقتراب أكثر من الإنسان.
وحين دخلت عالم السجون، لم تدخل إليه بوصفه فضاءً للعقوبة، بل بوصفه امتحاناً لأخلاق المجتمع.
كانت تسأل، في عمقها، سؤالاً يكاد يكون فلسفياً:
أيحق لنا أن نعاقب الخطأ فنقتل الإنسان؟
وكان جوابها العملي، طوال سنوات عمرها، أن الكرامة لا تسقط بالحكم، وأن الحرية قد تُقيَّد، لكن الإنسانية لا ينبغي أن تُسجن.
لقد كان جيلها يؤمن بأن التاريخ لا تصنعه الوقائع وحدها، وإنما تصنعه أيضاً الضمائر التي تمتلك شجاعة الوقوف إلى جانب الإنسان حين يصبح الإنسان وحيداً.
ولهذا لم تكن معاركها ضد أحد.
كانت معاركها من أجل أحد.
من أجل امرأة أنهكها العنف.
ومن أجل طفل لم يجد من يرشده.
ومن أجل سجين ينتظر أن يعترف المجتمع بأنه، رغم خطئه، ما يزال إنساناً.
ومن أجل وطن لا يكتمل بناؤه إلا إذا اتسعت فيه الرحمة بقدر اتساع القانون.
أفكر اليوم، بعد رحيلها، أن الإنسان لا يموت حين يتوقف قلبه، وإنما حين تتوقف القلوب عن استدعائه.
ولهذا لا أستطيع أن أقول إنها غابت.
لأنني، كلما التقيت إنساناً يؤمن بالإصلاح أكثر من الانتقام، وبالكرامة أكثر من الإدانة، وبالأمل أكثر من اليأس، شعرت أن شيئاً من آسية ما يزال يمشي بيننا.
إن الأرواح الكبيرة لا ترحل دفعة واحدة.
إنها تتوزع على الذين أحبتهم.
وتستقر في الأعمال التي أنجزتها.
وتختبئ في الكلمات التي تركتها.
وتظل، بصمت، تعيد تشكيل العالم.
هذه ليست سيرة امرأة.
إنها محاولة للإنصات إلى زمن كامل، تجسد في امرأة.
وليس احتفاءً باسم في سجل النضال المغربي، بقدر ما هو احتفاء بفكرة نبيلة ظلت تدافع عنها حتى آخر نبضة من عمرها؛ أن الإنسان، مهما انكسرت حياته، يستحق دائماً فرصة جديدة.
لهذا، فإن القارئ في هذه الورقة على تاريخ شخص فحسب، بل سيجد شيئاً من تاريخ الضمير المغربي وهو يبحث، بصبر العارفين، عن معنى العدالة، وعن وجه الرحمة، وعن تلك الشعلة الصغيرة التي تظل مضيئة حتى عندما يشتد الظلام.
أما أنا…
فكلما استعدت صورتها، لم أتذكر أولاً الحقوقية، ولا القاضية، ولا المناضلة.
أتذكر المرأة التي كانت تضحك لطفل صغير في حديقة البيت، ثم تمضي، في اليوم نفسه، لتزرع الأمل في قلوب من صادر السجن حريتهم.
وأدرك أن الله يمنح بعض البشر نعمة نادرة…
أن يجعل وجوههم امتداداً لأرواحهم.
وكان وجه آسية الوديع، في كل ما عرفته عنها، يشبه قلبها…
صافياً، وديعاً، مضيئاً…
كأنه خُلق ليكون عنواناً للأمل.