جريدة إلكترونية مغربية

الجامعة الربيعية هي تثمين لجهود السجناء من أجل التكوين والتحصيل والتعلم و الكرامة الإنسانية للمواطنين السجناء التي لا تجردهم منها الأحكام القضائية السالبة ( صور:م.و.أ)

LAVIGIE.MA:  محمد بنعبد القادر زريزر/ تصوير: مجموعة وكالة الأنباء

 استمرت لليوم الثاني على التوالي في السجن المحلي 1 عين السبع (عكاشة) في الدار البيضاء، أشغال الجامعة الربيعية الثانية لفائدة نزلاء المؤسسات السجنية، المنظمة من طرف المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.

و سيستفيد من فعاليات هذه الجامعة الربيعية حوالي 160 سجين من حملة الشواهد الجامعية، وستعرف تنظيم 6 محاضرات، و6 ورشات موضوعية، إضافة إلى مجموعة من الأنشطة الثقافية.
وعرف حفل افتتاح الجامعة الربيعية الثانية، التي تنظم خلال الفترة مابين 21 و23 مارس الجاري، حضور محمد صالح التامك، المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج.

وتعتزم المندوبية العامة خلال أشغال الجامعة الربيعية الثانية أن تكرسها كبرنامج قار كل سنة، تفسح المجال أمام نزلاء المؤسسات السجنية، خاصة الجامعيين منهم، للنقاش والتحليل والتواصل مع أساتذة بارزين وفاعلين في الحقل التربوي والثقافي والديني والحقوقي والقانوني، وتتيح لهم إبراز قدراتهم المعرفية ومؤهلاتهم الفكرية. كما تروم الجامعة تثمين جهودهم في التحصيل والتثقيف وكذا تحسيس الرأي العام بأهمية احتضانهم بعد الإفراج وفسح المجال لانخراطهم في الحياة العامة كمواطنين فاعلين في إطار الضوابط القانونية المعمول بها. وقد اختير كعنوان لهاته المحاضرة “ماهية المؤسسة السجنية في إطار مفهمو المرفق العمومي” للأستاذ/ أحمد بوعشيق (أستاذ جامعي)، أما المحاضرة الرابعة فكان موضوعها  “أي رهان حول إدماج السجناء ضمن التخطيط الجماعي الترابي” للأستاذ / منار السليمي (أستاذ جامعي).  وتمت برمجة مجموعة من المحاضرات، تعالج الموضوع من زوايا مختلفة تهم المجالات الدينية والثقافية والحقوقية والتعليمية والاجتماعية والقانونية. كما تمت برمجة ورشات موازية في مواضيع تستجيب لحاجيات السجناء في التكوين وتأهيل الذات وكذا أنشطة ثقافية تتناول الموضوع من زوايا فنية وإبداعية.

وهكذا فإن المحاضرتين الأولى والثانية اختير مكنت من مقاربة المواطنة الحقة من زاوية تتطرق إلى مدى أولية الموازنة بين الحق والواجب في علاقة المواطن بالدولة، وتطوير هاته العلاقة في إطار احترام القانون. فالمواطنة تستلزم تمتيع المواطن بحقوقه الدستورية على النحو الذي يرسخ لديه الشعور بالانتماء للوطن، وبكيانه كمواطن ملزم بأداء واجبه تجاه الوطن، وإسهامه في تكريس المصلحة العليا وتحقيق التنمية المنشودة.

وبالموازاة مع المحاضرات المبرمجة سيستفيد السجناء من ورشات حول مواضيع آنية تعالج بعض الإشكاليات المرتبطة بالإدماج، والمتمثلة في بناء الذات كرهان تربوي للإدماج، الوقاية من المخدرات وبناء الحصانة الذاتية، المناصفة والحقوق الأساسية للمرأة، المقاولة الذاتية كآلية للإدماج، مشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية، ومدى تضمينها آليات تكرس مفهوم الإدماج ثم دور المسرح في التنمية الثقافية.

لقد بادرت المندوبية العامة إلى برمجة الجامعة الربيعية والمواضيع المضمنة بفقراتها، من منطلق قناعتها الراسخة حول الدور المحوري للثقافة في تعزيز المنظومة الفكرية والأخلاقية للمجتمع، وفي إرساء التغيير البناء ونبذ الغلو والتطرف. كما أنها تفسح المجال لانفتاح العقل وتقبل الاختلاف والإبداع في مواجهة الجهل والأفكار الظلامية، بالحكمة والإقناع، خصوصا في الظرفية الحالية التي يتنامى فيها الفكر المتطرف والإرهاب، واستهداف استقرار الشعوب والقيم الإنسانية المبنية على التعايش والتآزر. ولا سبيل لتحقيق أي تقدم أو ازدهار في ظل التطرف والكراهية، إلا من خلال مبادرات تغذي الفكر في مختلف العلوم والمجالات سواء الثقافية أو الدينية أو غيرها من المجالات. والمغرب، والحمد لله، من الدول الرائدة في مكافحة التطرف ونبذ الكراهية بفضل السياسة الرشيدة لأمير المؤمنين حامي حمى الملة والدين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، المبنية على إشاعة قيم التسامح والاعتدال في ديننا الإسلامي الحنيف، والمتجذرة في ثقافتنا وهويتنا المغربية الأصيلة.

فواجب الجميع الالتفاف حول المبادرات المكرسة لهاته المقاصد النبيلة، والتصدي لكل الممارسات والسلوكيات الهدامة والمتطرفة.

إن الإستراتيجية الجديدة للمندوبية العامة في مجال تأهيل وتهييء السجناء للإدماج تستند إلى مبدأ التنوع والتطوير والاستجابة لحاجيات السجناء، وكذا إلى مقومات وشروط الإدماج بعد الإفراج. والجامعة الربيعية في فلسفتها تؤسس لهذا التنوع والملاءمة، اللذين يواكبان التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المجتمع. كما أن انعقادها يأتي تثمينا للجهود المبذولة من طرف السجناء من أجل التكوين والتحصيل والتعلم.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى انه أمكن للمندوبية العامة بفضل الجهود المشتركة مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء والشركاء الحكوميين المعنيين، الرفع من عدد السجناء المستفدين من برامج محو الأمية والتعليم والتكوين المهني خلال السنوات الست الأخيرة. يضاف إلى ذلك برامج موازية على مستوى الأنشطة الثقافية والرياضية والتأطير الديني، والتي برمجت المندوبية العامة في شأنها برنامجا سنويا قارا يروم تمكين السجناء من إبراز مواهبهم في إطار مسابقات محلية ووطنية، شهدت مشاركة بين صفوف السجناء، بالإضافة إلى برنامج للتدريب في إطار ورشات للمسرح والموسيقى والفن التشكيلي. يضاف إلى ذلك برنامج تشغيل السجناء في إطار ورشات حرفية أو في إطار وحدات إنتاجية، وهو البرنامج التي إنكبت المندوبية العامة على تطويره في إطار شراكة مع القطاعات المعنية ووفق ما يستجيب لإمكانيات السجناء وحاجيات السوق، مع تكريس الطابع الاجتماعي في مقاربة هذا البرنامج.

وتجدر الإشارة إلى أن المندوبية العامة تعتمد في بلورة برامجها الإصلاحية والتربوية إلى جانب المرجعية الحقوقية والقانونية، المقاربة العلمية حيث أنها بادرت إلى توقيع اتفاقية شراكة مع جامعة محمد الخامس بالرباط، تقضي بإحداث مركز بمقر الجامعة للبحوث في الدراسات السوسيولوجية بالسجون وفي مختلف الظواهر الاجتماعية المتصلة بظروف اعتقال السجناء وببرامج تهييئهم للإدماج، يضاف إلى ذلك إحداث ماستر متخصص في الشأن السجني أتاح لموظفي السجون الاستفادة من تكوين مهني متخصص ساعدهم على تطوير أدائهم المهني بما يتلاءم والتحديات المطروحة، ينضاف إلى تكوين في مجال تدبير الشأن السجني استفاد منه عدد من موظفي السجون بالجامعة الدولية بسلا.

إن توطيد الثقة والمصداقية في الدور الإصلاحي والتأهيلي للمؤسسة السجنية لا يمكن تحقيقه بمعزل عن إصلاح شمولي لمنظومة العدالة الجنائية، يواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية وطنيا ودوليا. كما لا يمكن حصره في إطار تقييم يُختزل في استنتاجات سطحية تصم المؤسسة السجنية بتفريخ الإجرام دون الأخذ بمنهج التحليل العلمي والموضوعي والإلمام الدقيق بحجم الإكراهات المطروحة والإمكانيات المتاحة، وكذا الجهود المبذولة لرفع هاته التحديات بمنطق الانفتاح والتشارك.

وجدد السجناء في الختام اليوم الثاني من الجامعة الربيعية ترحيبهم بالحضور الكريم وأعربوا لهم عن شكرهم الخالص على الاستجابة لدعوة المندوبية العامة لحضور أشغال الدورة الثانية للجامعة الربيعية، كما أعربوا عن شكرهم الخالص للأساتذة المحاضرين على تفضلهم بقبول الدعوة ومساهمتهم في إنجاح برنامج هاته الجامعة وتحقيق أهدافها التربوية والإنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.