بلا رِبْقة ولا رَسْن
ياسين عدنان
العالم يبدأ من بيتك، لكنه لا ينتهي داخله. لذلك، نحتاج النوافذ والشرفات في كل بيت لتأمين التَّماسِّ الدّائم مع العالم الرّحب. نحتاج الذهاب الحرّ إلى العالم ليتأكّد انتماؤنا إليه. العالمُ يبدأ من بيتك، لكنه لا ينتهي داخله. الكتابة تفتح الآفاق، لا لكي يتوسّع البيت ويتمدّد، بل لكي يصيرَ العالمُ بيتَكَ الفسيح.
في ذهابنا الحرّ إلى العالم تصير حاجتُنا ماسَّة إلى الكتابة. عبرها نصافح العالم، نعانقه، نشتبك معه. من خلالها نحاوره، ننصت إليه، نُسمِعُه صوتنا واختلاجاتنا. ثم إنّ العالم ليس وحدة منسجمة، وإنما هو مَجْمَعُ أعراقٍ ومِلَل، أفكارٍ وإيديولوجيات، أمصارٍ وجغرافيات، أمزجة وحساسيات. لذلك، يجب أن يكون ذهابُنا إليه حرًّا، بالضّرورة، وبلا خلفيات ليتحقّق الحوار. حوار ينطلق من الاختلاف ويؤمن به. ثم تأتي الكتابة لتفتح الآفاق، مرّة أخرى لا لكي يتبدَّد الاختلاف ويتمَّ الالتفاف عليه، بل لكي نتصالح جميعًا مع الاختلاف كقدَر، وباعتباره من صميم طبيعة البشر.
أيام صدام حسين، سافرتُ إلى #كردستان_العراق للمشاركة في احتفالية كبيرة بمناسبة مئوية الجواهري. كنّا ثلّة من الأدباء العرب انطلقت قافلتُنا من دمشق، قطعنا نهر الخابور عبر الحدود السورية دونما حاجة إلى جوازات سفر. كان بيننا مبدعون ومثقفون عرب كبار بينهم من العراقيين فوزي كريم وفاضل العزاوي ومحمد سعيد الصّكار ومن المصريين صبري موسى ورفعت سلام وحسين عبد الرازق ومن لبنان كريم مروة. وكنت قد نشرتُ أيّامها وأنا في كردستان ورقةً في الصحافة العربية تنقل بعضًا من أجواء التظاهرة التي شاركنا فيها. وما إن عدتُ إلى أرض الوطن حتى فوجئت بزُمرةٍ من رفاق ذلك الزمن قد تخندقوا ضدّي. فقد قصدتُ وجهةً لا تُصادف هوى في نفوسهم ولا تستجيب لقناعاتهم القومية. لم أنخرط معهم يومها في نقاشِ السّياسة والإيديولوجيا لأنني فضّلت أن أنافح عن المبدئِيّ، وهو حركةُ جسدي الحُرَّة في الجغرافيا التي لا يحقُّ لأحدٍ أن يرسم لها حدودًا وِفْق ما يُمليه عليه مزاجه السياسي واختياراته الإيديولوجية. منذ ذلك اليوم فهمت أنّ السفرَ قدري والعبورَ هويتي.
الجسدُ سجنُ الروح، لكنَّ الرّوح تحديدًا تعرف كيف تُحرِّر الأجساد التي تُؤْويها من قيودها لتفتحها على العالم، على المجهول، على البعيد، على السفر، على الحركة الحُرّة. ومثلما تُحرّرُ روحُ الكائنِ جسدَه من سجن المكان والبيت والمدينة والبلد، تُحرّرُ روحُ الكاتبِ هذا الأخير من رِبقة الجنس الأدبي. لذلك كنتُ على الدّوام قلقًا “كأنّ الرّيح تحتي”، لا أسكنُ إلى غرض شعري ولا أستقرُّ في جنس أدبي. كتبتُ شعر التفعيلة وقصيدة النثر. كتبتُ القصة والرواية. كتبتُ الرِّحلة والتَّدوينة والمقالة، وها إنني أجرّب حتى اليوم، برويّةٍ لا تُصادِرُ على البداهة، ومُجازفةٍ لا تبلغ حدودَ الإسْراف. لأنّ الكتابة في رأيي تجريبٌ متواصل مستمر. وأنا سعيد لأنني اليوم بينَكُم سأستفيد من مداخلاتكم لأختبر خياراتي الأدبية والفنية، وأراجعها إذا اقتضى الحال.
حين نشرتُ روايتي #هوت_ماروك سعدتُ بتلقّي الصديقات والأصدقاء من الأدباء والنقاد المغاربة والعرب لهذا العمل. لكنني حزنتُ لأنّ #فاطمة_المرنيسي كانت قد غادرَتْنا. كانت فاطمة المرنيسي صديقة عزيزة. وكانت تلقّبني بالسندباد الرّقمي، وتحثّني كلما تجدَّد لقاؤنا على إصدار كتاب يُشجّع الشباب على الالتحاق بفضاء الانترنت من أجل صياغة حياة جديدة لهم ولبلدهم يتجاوزون بها ومن خلالها العوائق والعراقيل التي ينصبها لهم المجتمع المحافظ وأهله. لكنني خذَلْتُها. حاولتُ أن أشرح لها أنّ انخراطي في العالم الافتراضي ظلَّ على الدوام نقديًّا يشوبُه الارتياب. فالمجرّة الزرقاء لم تستلِبْني. وعوض أن أحتفي بالمُتحقِّقين في مضارب الضوء وعبرها، اخترت بطلا سلبيًّا، بطلا مضادًّا أرصد من خلاله ظلال الضوء الإلكتروني ووجهه الآخر المعتم. وكنت أعرف أنّ صاحبة “سلطانات منسيات” ستعذرني وتتفهّم موقفي بعد أن تقرأ “هوت ماروك”. لكن شاءت الأقدار أنْ رحلت فاطمة قبل أن تصدر هذه الرواية وقبل أن تطّلع عليها. ولكَمْ أحزنني ذلك يومئذ.
واليوم، اسمحوا لي أن أعترف لكم أنّ حزني قد تجدَّد. فأنا حزين لغيابين لا يقِلّان فداحة عن غياب فاطمة المرنيسي. حزين أوّلًا لأن أستاذي العزيز الذي درّسني بثانوية “أبو العباس السبتي” السي #محمد_اليوسفي صاحب أول مقالة عن أوّل مخطوط شعري لي غادرنا قبل أن أسعد بهذه الاستضافة التي أحظى بها اليوم في بيته الثاني: كلية اللغة العربية. وهو الذي كان لي أوّل داعم وأكبر مُوجِّه في زمن البدايات. رحمة الله عليه. وحزين أيضًا لأنّ الأقدار شاءت أن تختطِفَ منّا أختنا العزيزة الدكتورة #عتيقة_السعدي، فجأةً، وبطريقة أذهلتنا وأوجعت قلوبنا جميعًا: نحن أسرتَها وأحبّتَها وزملاءَها وأصدقاءَها وطُلّابَها، هي التي ظلّت تُتابع تفاصيل هذه الندوة وإصدارَيْها بدأَبٍ وحدَب. لذا لا أخفيكم أنّني أرى في التئامِنا اليوم في قلب كلية اللغة العربية بمراكش تلبيةً لدعوة الرّاحلة ووفاءً لعطائها واستحضارًا لروحها الوارفة التي لا شكّ ستظللنا خلال هذا اليوم الدراسي.
فالرحمة لفقيدتنا العزيزة الدكتورة عتيقة السعدي.
العالم يبدأ من بيتك، لكنه لا ينتهي داخله. ومع ذلك فللبيت الأول دفءٌ لا يُضاهى. فشكرًا لكلِّ مَن سعى إلى تنظيم هذه الندوة حول تجربتي الأدبية المتواضعة هنا في هذا البيت الرَّحب. فليس هناك ما هو أجمل من أن يُحاوَر الإنتاجُ الأدبيُّ للكاتب بين أهلِه وناسِه.
الشكرُ جزيلًا للسيد العميد الدكتور أحمد قادم، وموصولًا للأخوين الكريمين الدكتور عبد الرحمان إكيدر والدكتور عبد الفتاح شهيد ومعهما الدكتور سعيد العوادي مدير المختبر. والتحيةُ وارفةً لكلية اللغة العربية التي أضْحَت دوحةً للأدب ومنارةً للفكر، تزهو بها مراكش ونُخبتها الثقافية.
وشكرًا للأستاذات الفاضلات والأساتذة الأجلاء الذين يشرّفوننا اليوم بحضور هذه الندوة والمشاركة في أشغالها على نُبل العناية وكرم العطاء.
° نص كلمتي في الجلسة الافتتاحية لندوة “التداخل الأجناسي” التي التأمت بكلية اللغة العربية بمراكش هذا اليوم.