جامعة الشباب الأحرار: بين غنى التكوين وتحدي تحويل الأفكار إلى فعل
لطيفة بنعاشير
السياسة لا تخيف الشباب.. ما يخيفهم هو أن يتحولوا إلى مجرد جمهور يصفق، بينما تُصنع القرارات بعيدًا عنهم.
لهذا، فليست المشكلة في أن نعقد الجامعات والملتقيات، ولا في أن نرفع شعارات تبعث على الأمل. على العكس، فالمغرب اليوم في حاجة إلى فضاءات للنقاش والتكوين والحوار أكثر من أي وقت مضى. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بكل جرأة هو: هل تغادر الأفكار القاعات مع انتهاء التصفيق، أم تغادر نحو الواقع لتصنع الفرق؟
في هذا السياق، احتضنت مدينة أكادير يومي 26 و27 يونيو 2026 الدورة السادسة لجامعة الشباب الأحرار، تحت شعار: “مسار المستقبل: التزام شبابي من أجل مغرب الانتقال الاجتماعي”، بمشاركة آلاف الشابات والشبان من مختلف جهات المملكة ومن أبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج، في محطة جمعت بين التكوين والحوار والنقاش حول قضايا تهم حاضر المغرب ومستقبله.
وحين نطالع برنامج هذه الدورة، نجد ملفات كبرى تنتظر النقاش: الصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية، والاستثمار، والتنمية الترابية، والإعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وغيرها من الأوراش التي ترتبط مباشرة بحياة المواطن المغربي. فالمواطن لا ينتظر الشعارات، بل ينتظر مدرسة تحفظ حق أبنائه في التعلم، ومستشفى يصون كرامته، وفرص شغل تفتح أمام الشباب آفاقًا جديدة.
وأقولها بكل صراحة، لقد كانت الورشات غنية ومتنوعة إلى درجة أنه كان من المستحيل حضورها جميعًا في الوقت نفسه. كان على كل مشارك أن يختار ورشة واحدة فقط إذا أراد الاستفادة الحقيقية. فالورشة ليست صورة تلتقط داخل قاعة، ولا شهادة مشاركة تضاف إلى السيرة الذاتية، بل فرصة للتعلم، والحوار، وتبادل التجارب، وبناء الأفكار.
ومن بين كل الورشات، استوقفتني بشكل خاص ورشة “الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي: فعالية التواصل والتسويق السياسي”، التي عرفت حضور كفاءات متميزة، وعلى رأسها الأستاذ أنوار صبري، إلى جانب باقي المتدخلين الذين أغنوا النقاش بأفكارهم وتجاربهم، وفتحوا باب التفكير في التحولات الرقمية المتسارعة، وفي الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في الإعلام والتواصل والعمل السياسي.
لقد كانت بالنسبة لي ورشة غنية بالمعلومات والأفكار، واخترت المشاركة فيها عن قناعة ورغبة حقيقية في الاستفادة. ورغم ذلك، كنت أتمنى حضور ورشات أخرى لا تقل أهمية، لكن تزامن جميع الورشات في التوقيت نفسه حال دون ذلك.
وقد جعلتني هذه الورشة أؤمن أكثر بأن الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي لم يعودا ترفًا معرفيًا، بل أصبحا من أدوات الفعل السياسي والترافع المدني الحديثة، وأن الشباب الذي لا يواكب هذه التحولات قد يجد نفسه خارج زمنه.
وخلال هذه الجامعة، لمست وجود كفاءات شبابية واعدة؛ شباب جاءوا حاملين أسئلتهم، وطموحاتهم، ورغبتهم الصادقة في التعلم والاستفادة من التكوينات واغتنام فرصة اللقاء مع الخبراء والفاعلين السياسيين والمدنيين. هؤلاء هم الرأسمال الحقيقي لأي تنظيم وأي مشروع مجتمعي.
لكن، وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض المشاركين ينظرون إلى مثل هذه المحطات باعتبارها فرصة للسفر أو للاستفادة من الامتيازات المرتبطة بالمشاركة، أكثر من كونها فرصة للتكوين والترافع وخدمة الصالح العام. كما أن هناك من يحضر مدفوعًا بأهداف شخصية ضيقة لا علاقة لها بقضايا الشباب ولا بروح العمل السياسي النبيل.
وهذا ليس حكمًا على الأشخاص ولا تعميمًا على الجميع، بل دعوة صريحة إلى إعادة طرح السؤال الجوهري:
لماذا نشارك؟
هل لنعود إلى مدننا حاملين أفكارًا ومبادرات ومشاريع تخدم مجتمعنا؟ أم لنعود فقط بصور تذكارية وذكريات عابرة؟
وبالنسبة لي، لا أذهب إلى مثل هذه المحطات لأردد ما يقال، ولا لأكتفي بالتقاط الصور أو جمع شهادات المشاركة. أذهب لأستمع، وأسأل، وأناقش، وأختلف حين يستدعي الأمر ذلك، ثم أعود بما يمكن أن يتحول إلى فكرة، أو مبادرة، أو مشروع يخدم الإنسان قبل أي شيء آخر.
وأنا أتابع هذا الحدث، لا أستطيع إلا أن أفكر في إقليم الخميسات، وفي آلاف الشباب الذين ما زالوا ينتظرون نواة جامعية، وفرصًا أكبر في التكوين، والاستثمار، والتشغيل، والتنمية. فعندما تُناقش التنمية الترابية، أفكر في الخميسات. وعندما يُفتح ملف التعليم، أفكر في الطلبة الذين يضطرون إلى مغادرة الإقليم لمتابعة دراستهم. وعندما نتحدث عن الصحة، أستحضر معاناة مناطق أعرفها عن قرب، وأؤمن أن إصلاح هذا القطاع ليس شعارًا، بل حق إنساني.
ومن هذا المنطلق، أوجه دعوة بناءة إلى الحزب وإلى شبيبة الأحرار من أجل التفكير في تنزيل مثل هذه الورشات والتكوينات على المستوى المحلي والإقليمي والجهوي، داخل المقرات الحزبية، حتى لا تبقى الاستفادة مرتبطة بمحطة سنوية واحدة، وحتى يتمكن عدد أكبر من الشباب من الاستفادة من مختلف التكوينات، وبناء وعي سياسي وثقافي حقيقي.
فبناء الوعي لا يتم في يومين، ولا داخل قاعة واحدة، بل هو مسار مستمر يحتاج إلى التكوين، والتأطير، وفتح فضاءات للنقاش وتبادل التجارب. ولعل من أهم الاستثمارات التي يمكن أن تقوم بها الأحزاب اليوم الاستثمار في وعي الشباب، وفي كفاءاتهم، وفي قدرتهم على فهم التحولات التي يعيشها العالم، حتى يكونوا فاعلين في صناعة المستقبل، لا مجرد متابعين له.
إن الشباب المغربي لم يعد يطلب المستحيل، ولا ينتظر المعجزات. إنه يطلب فرصة حقيقية ليكون جزءًا من الحل، لا مجرد شاهد على صناعة القرار.
وفي النهاية، قد نختلف في الانتماءات، وفي المرجعيات، وفي طرق الاشتغال، لكن لا ينبغي أن نختلف حول حق الشباب في أن يكونوا شركاء في بناء المستقبل.
فالأوطان لا تبنيها كثرة التصفيق، بل تبنيها الأفكار التي تتحول إلى مبادرات، والأسئلة التي تتحول إلى أجوبة، والأحلام التي تتحول إلى أفعال.