جريدة إلكترونية مغربية

الصويرة: جمعية ساحة الفنانين تطلق مخططها الاستعجالي لإنقاذ الذاكرة التشكيلية

في خطوة تعكس وعيا جماعيا متزايدا بأهمية الفعل الثقافي والفني في الفضاء العام، عقد مكتب جمعية ساحة الفنانين بالصويرة اجتماعا تنسيقيًا بدار الصويري، تدارس خلاله جملة من القضايا التنظيمية والعملية، وعلى رأسها المخطط التأهيلي الاستعجالي الهادف إلى إنقاذ الساحة من تحديات بيئية وبنيوية تهدد إشعاعها.

افتُتح اللقاء بكلمة ترحيبية للمنسق العام عبد الله الشيخ، ثم تلاوة الفاتحة ترحما على روح الفنان الراحل محمد عفيف، أحد أعمدة الحركة التشكيلية بالمدينة. لحظة وجدانية كشفت أن الجمعية ترى في استحضار الذاكرة الجماعية مدخلا لتصور المستقبل. وفي كلمة لرئيس الجمعية، الفنان المصطفى خليلي، جرى التأكيد على أن الاجتماع ليس فقط محطة تنظيمية، بل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وتحديد معالم العمل المقبل.

أولوية مواجهة زحف الرمال

برز في النقاش أن التهديد الأكبر يتمثل في زحف الرمال على فضاء الساحة، ما يحول دون تنظيم الأنشطة الثقافية والفنية وافتتاح الأروقة. وقد حيّى المكتب مبادرة رئيس جماعة الصويرة طارق العثماني، الذي أشرف على عملية إزالة الرمال المتراكمة في بادرة عملية مؤقتة. وأوضح المصطفى خليلي أن المخطط الاستعجالي يضع هذا الملف في المقدمة، على أن يتبعه الاهتمام بالنظافة وتعزيز الحراسة وتأهيل قنوات الماء والكهرباء والبستنة، فضلا عن توفير مقر ملائم للجمعية بجوار باب دكالة.

خرج الاجتماع بعدة توصيات ركزت على جعل الجمعية فضاء للتفكير والعمل المشترك، بما يضمن استمرار إشعاع الساحة كفضاء نموذجي ومركز تلاقٍ للأجيال. وتم التشديد على ضرورة تعبئة الموارد البشرية والمالية، وإرساء شراكات مع المؤسسات الثقافية محليا ووطنيا ودوليا. كما أكد المكتب على أهمية إشراك الطاقات الشابة في مشاريع مستقبلية، ضمانا لاستمرارية الدينامية الإبداعية بالصويرة.

ذاكرة رواد الساحة

لا يكتمل الحديث عن الجمعية دون الإشارة إلى رموز الساحة الذين شكلوا لبنات أساسية في وجدانها الفني: بوجمعة لخضر، الصديق الصديقي، سعدية بيرو، الطيب الصديقي، عبد القادر بنتاجر، عبد الرحمان باكو، حسن الشيخ، ومحمد عفيف. أسماء صنعت تاريخ الفضاء وحولته إلى أيقونة ثقافية وحضارية. واستحضار هذه الرموز ليس تكريما شكليا، بل وفاء لروحهم الخلاقة التي جعلت من الصويرة مدينة تتنفس فنا.

أكد حضور شخصيات مثل نجمة سامية صوصنا بيرو، موماد حجوبة لخضر، فوزية المفضل، يونس قيروش باكو، والبشير الصديقي أن الجمعية انتقلت من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الفعل الميداني، حيث تتداخل المهام الفنية والتوثيقية والتأهيلية. وقد طُرحت مقاربة جديدة تقوم على الموازنة بين البعد الجمالي والعمل البيئي والذاكرة التاريخية.

 

بعد حضاري يتجاوز الحدود

 

إن جمعية ساحة الفنانين ليست إطارا جمعويا عاديا، بل مشروع ثقافي يؤسس لرؤية استراتيجية تجعل من الساحة أرضية دائمة للإنتاج الفني والتسويق الثقافي. فهي تسعى إلى إعادة الاعتبار لفضاء احتضن لعقود أنشطة الفرجة الشعبية والتجريب التشكيلي، وتحويله إلى مركز إشعاع ثقافي منفتح على الشراكات الدولية. بهذا المعنى، يشكل مشروع الجمعية جزءا من الدينامية الأوسع التي تسعى الصويرة إلى ترسيخها كمدينة عالمية للفن والإبداع.

 

ولاء للثوابت وإرادة جماعية

 

اختتم الاجتماع بتلاوة برقية ولاء وإخلاص إلى جلالة الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب وعيد الشباب المجيد، في إشارة رمزية إلى أن مشروع الجمعية يستمد شرعيته من ثوابت الأمة وإرادة أبنائها. وقد عكست أجواء اللقاء روح المسؤولية والمواطنة لدى الأعضاء، وإصرارا على جعل الجمعية نموذجا يحتذى في كيفية تحويل الساحات العامة إلى مراكز إشعاع ثقافي وفني مستدام.

 

الصويرة… مدينة تتنفس فنا

 

بهذه الخطوات، تكون جمعية ساحة الفنانين قد دشنت مرحلة جديدة في مسارها، مرحلة تؤكد أن حماية الفضاء العام من التهديدات البيئية وتثمين الذاكرة الفنية وتعبئة الطاقات الشابة هي ركائز أساسية لضمان استمرارية إشعاع الصويرة كعاصمة للفن والثقافة. إن اللحظة التي تعيشها المدينة اليوم ليست مجرد محطة تنظيمية، بل لحظة تاريخية تربط الماضي بالحاضر وتستشرف المستقبل بروح جماعية تؤمن بأن الثقافة هي المدخل الأسمى للتنمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.