بعد خمس سنوات من الهدم والوعود المؤجلة.. تجار سوق “خناثة” بسيدي مومن يرفعون صوتهم: “حقوقنا ضاعت مع محلاتنا”
في وقفة احتجاجية جديدة، عاد تجار وحرفيو سوق “خناثة” (المعروف محلياً سابقاً بسوق “كريان طوما”) بحي سيدي مومن، ليطرحوا من جديد ملف تعويضات محلاتهم المهدمة، بعد مرور أكثر من خمس سنوات على وعود رسمية متكررة لم تجد طريقها إلى التنفيذ. ويصرّ هؤلاء المتضررون، الذين ينتمي جلّهم إلى فئات هشة وكبار السن، على أن مشروع إعادة الهيكلة الحضري تحول بالنسبة لهم من أمل في التنمية إلى كابوس من التهميش والإقصاء المادي والمعنوي.

خلفية الملف: بين إعادة الهيكلة والتأجيل المتكرر
يُعدّ سوق “خناثة” واحداً من الفضاءات التجارية الشعبية التي اعتمدت عليها ساكنة حي سيدي مومن لعقود في تغطية حاجياتها اليومية وتأمين عيش العشرات من الأسر. وفي إطار مخطط إعادة الهيكلة وتأهيل الأحياء غير المهيأة، جرى هدم السوق قبل أكثر من خمس سنوات، رفقة وعد صريح من السلطات المحلية وشركة “العمران” بتعويض أصحاب المحلات أو توفير فضاءات بديلة تضمن استمرار نشاطهم المهني. غير أن السنوات المنقضية لم تحمل سوى تأجيلات متكررة ووعود شفوية لم تترجم إلى قرارات ملموسة، فيما التزمت الجهات المسؤولة الصمت أمام مطالب المتضررين.

البعد الإنساني: كرامة مُنهكة وشبابٌ ضاع في الانتظار
خلف الأرقام والوعود الإدارية، تبرز معاناة إنسانية مؤلمة. فغالبية المتضررين من كبار السن الذين يعانون من أمراض مزمنة، ولا يتوفرون على أي دخل بديل يضمن كرامتهم اليومية أو يغطي تكاليف العلاج. وفي غياب أي شبكة أمان اجتماعي أو تعويض عاجل، غادر بعضهم إلى “دار البقاء” دون أن يحققوا الحلم الذي راهنوا عليه طوال حياتهم: محلّ صغير يضمن لهم لقمة العيش ويحميهم من وطأة الحاجة.

وتحوّلت الوقفة الاحتجاجية الأخيرة إلى منصة لكسر حاجز الصمت، حيث رفع المتظاهرون شعارات تطالب بالإنصاف الفوري ومحاسبة المتقاعسين عن تنفيذ الالتزامات.
مطالب واضحة وغياب رسمي
حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، لم يصدر أي رد رسمي واضح من عمالة مقاطعة سيدي البرنوصي أو من شركة “العمران” يوضح مسار ملف التعويضات أو الجدول الزمني للتنفيذ. ويصرّ المتضررون على ثلاثة مطالب رئيسية:
- صرف تعويضات عادلة ومُنصفة تتوافق مع القيمة السوقية الحالية لمحلاتهم ونشاطهم التجاري.
- توفير فضاءات تجارية بديلة مؤهلة وقابلة للاستغلال الفوري لاستئناف النشاط المهني.
- فتح حوار مباشر وشفاف مع الجهات الوصية لوضع حدّ للمماطلة التي استنزفت سنوات من عمرهم ومعيشتهم، مع توضيح مصير المخصصات المالية المرصودة للمشروع إن وجدت.

إعادة الهيكلة لا تكتمل بإقصاء الضعفاء
لا يقتصر ملف سوق “خناثة” على قضية تعويضات تجارية فحسب، بل يلامس صلب العدالة الاجتماعية ومبدأ المسؤولية في تدبير التحولات الحضرية. فإعادة الهيكلة، كما يؤكد خبراء التخطيط العمراني، لا تكتمل برفع الجدران وهدم الأسواق، بل ببناء بدائل إنسانية تحفظ كرامة الساكنة وتحول دون إقصاء الفئات الهشة التي ساهمت لعقود في نسيج الحي الاقتصادي والاجتماعي. وبينما ينتظر تجار “خناثة” إجابة رسمية تنصفهم، يبقى سؤال العدالة معلقاً في فضاء سيدي مومن: هل ستتحول وعود التنمية إلى واقع ملموس، أم ستبقى مجرد شعارات تُكتب على الجدران وتُمسح مع الوقت؟