جريدة إلكترونية مغربية

الهدم والتشريد: حين يتحول القانون من حماية إلى سلاح في وجه المواطنين

في ظل صمت مطبق أو تبريرات إدارية جافة، يستيقظ المغاربة كل يوم على خبر جديد عن حملة هدم تطال منازل المواطنين، أو قرارات تعسفية تُنفذ باسم القانون، تاركة وراءها عائلات مشردة، وأحلاماً محطمة، وثقة مهزوزة في مؤسسات الدولة.

بين النص والتطبيق: فجوة كبيرة

المغرب ليس بلداً يفتقر إلى التشريعات. فالدستور يضمن الحق في السكن اللائق، والقوانين تنظم عملية التعمير، والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب تحمي حقوق المواطنين. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا تتحول هذه النصوص الحامية إلى أداة قمع في أيادي بعض المسؤولين؟

الحقيقة التي يرفض الكثيرون الاعتراف بها هي أن المشكل ليس في القانون، بل في من يُفوض لهم تطبيقه. فبينما يُفترض أن يكون التشريع درعاً يحمي الحقوق، نجده في كثير من الأحيان يُستخدم كسلاح يُسلط على رقاب المواطنين، خاصة الأكثر هشاشة وضعفاً.

قصص إنسانية وراء أرقام باردة

 

وراء كل قرار هدم، هناك قصة إنسانية مؤلمة:

– “عائلة” قضت سنوات في بناء منزل أحلامها، لتجد نفسها بين عشية وضحاها أمام جرافات تهدم ما بنته بعرق سنوات.

– “مواطنون” يُفاجؤون بقرارات هدم دون إشعار مسبق كافٍ، أو دون بدائل سكنية لائقة.

– “أرامل ومطلقات” يجدن أنفسهن في الشارع بسبب تعقيدات إدارية أو نزاعات على الملكية لم تحل بعد.

هذه ليست مجرد “إحصائيات” أو “تنفيذ للقانون”، بل “مآسٍ إنسانية” تترك ندوباً عميقة في النسيج الاجتماعي.

التشريع بين الحماية والانتقائية

 

المؤلم أكثر هو “الانتقائية في تطبيق القانون”. فبينما تُهدم منازل المواطنين البسطاء بحجة “عدم التوفر على رخص البناء أو بدعوى إعادة الهيكلة أو بسبب ما يسمونه الدور الايلة السقوط…”، نرى في المقابل “فلل” ومشاريع سياحية ضخمة تُبنى في مناطق محمية أو أملاك للدولة دون محاسبة حقيقية.

أين العدالة في هذا المعادلة؟

– لماذا يُطبق القانون بحدة على الفقير ويُتغاضى عن القوي؟

– لماذا تُغض السلطات الطرف عن التجاوزات الكبيرة بينما تلاحق المخالفات الصغيرة؟

– لماذا يُترك المواطن وحيداً أمام تعقيدات إدارية لا طاقة له بها؟

مخاطر استمرار الوضع

 

استمرار هذه الممارسات لا يهدد فقط الحق في السكن، بل “يهدد الاستقرار الاجتماعي والثقة في المؤسسات”. فالمواطن الذي يفقد الثقة في عدالة النظام، يصبح عرضة لليأس والإحباط، وقد يدفعه ذلك إلى سلوكيات تضر بالمجتمع ككل.

 

“الهدم التعسفي ليس حلاً”، بل هو ترقيع مؤقت لمشكل هيكلي يحتاج إلى:

1. مراجعة شاملة للسياسات السكنية والتعميرية

2. شفافية أكبر في منح رخص البناء ومتابعة المشاريع

3. حلول بديلة قبل اللجوء إلى الهدم

4. محاسبة المسؤولين عن التجاوزات والانتقائية في تطبيق القانون

 

مطالب المواطن البسيط

 

المواطنون لا يطلبون المستحيل. مطالبهم واضحة ومشروعة:

– معاملة إنسانية تحفظ الكرامة

– تطبيق عادل للقانون دون محسوبية أو انتقائية

– حوار حقيقي قبل اتخاذ قرارات مصيرية

– بدائل سكنية لائقة قبل أي هدم

– شفافية في الإجراءات والقرارات

 

ان الوطن لا يُبنى بالجرافات، بل بالعدالة والكرامة.

المسؤولون الذين يوقعون قرارات الهدم يجب أن يتذكروا أنهم لا يهدمون فقط حجراً وطوباً، بل يهدمون أحلام عائلات بأكملها، ويهززون ثقة المواطنين في مؤسسات دولتهم.

آن الأوان لوضع حد للعبث، ولتطبيق القانون بعدل ومساواة، ولإعطاء الأولوية للحلول الإنسانية قبل اللجوء إلى القوة. فالمغرب الذي نحلم به جميعاً هو مغرب الكرامة، لا مغرب الجرافات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.