سيون أسيدون… الذي سيق إلى حدود لا يرى فيها وجه الزمان
رحيل ضمير مغربي جمع بين الشجاعة المدنية والالتزام الإنساني
سيقنا جميعا، يوما ما، إلى حدود لا يرى فيها وجه الزمان؛ واليوم سيساق سيون أسيدون إلى تلك الحدود، تاركا وراءه سيرة نضال طويلة وصوتا لم يتعب من قول الحقيقة. رحل الرجل الذي حمل في داخله المغرب المتعدد، والإنسان الكوني، والموقف الأخلاقي الذي لا يلين.

رجل من زمن المواقف
ولد سيون أسيدون سنة 1948 في المغرب، في أسرة يهودية من الجنوب، فشب على مفترق الهويات والثقافات. منذ شبابه في باريس ثم في المغرب، انخرط في الفكر اليساري والحركات الطلابية المطالبة بالحرية والعدالة.
في السبعينيات، عاش تجربة السجن في سنوات الرصاص، ودفع ضريبة اختياره الوقوف في صف المظلومين. لكنه خرج من المعتقل أكثر إصرارا على أن الكلمة الحرة هي فعل مقاومة لا يموت.

نضال ضد الفساد وضد التطبيع
عرفه المغاربة لاحقا كأحد أبرز وجوه الشفافية والنزاهة، حين ساهم في تأسيس منظمة «ترانسبارنسي المغرب»، ورفع صوته ضد الفساد بكل أشكاله.
لكن مواقفه من القضية الفلسطينية جعلته أكثر تفردا: يهوديّ مغربيّ يناصر فلسطين بلا تردد، يرى في العدالة قضية واحدة لا تتجزأ. قاد حملات المقاطعة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وأسس فرع حركة BDS المغرب، مؤكدا أن الدفاع عن الحرية لا يفرق بين دين أو عرق.
ضمير جمع الهويات
في مجتمع يتعلم التوازن بين موروثاته، كان أسيدون نموذجا للتعايش الواعي بين الهوية والدين والموقف الحر. لم يكن صوته احتجاجا فقط، بل كان درسا في الشجاعة المدنية، يذكر بأن المواطنة الصادقة لا تحتاج تطابقا، بل نزاهة وانحيازا للإنسان.
لهذا، لم يكن الراحل يثير الجدل بقدر ما كان يثير التفكير — فحياته كانت دعوة مفتوحة للسؤال: كيف نكون مخلصين لقيمنا دون أن نفقد انتماءنا؟
الرحيل الهادئ والإرث الباقي
رحل سيون أسيدون في نوفمبر 2025 بعد صراعٍ مع المرض، محاطا بدعوات رفاقٍ وأصدقاء احترموا فيه صدقه واستقامته.
سيق جسده إلى مثواه الأخير، لكن صدى مواقفه باق بيننا — في الجامعات، وفي الجمعيات، وفي الضمير الجمعي الذي لا ينسى من قال «لا» حين كان الصمت هو القاعدة.
- لقد مضى الرجل، وبقي الدرس: أن تساق إلى حدود الزمان بجسدك، لكن تبقى كلماتك تمشي بين الناس، تذكرهم بأن الحقيقة لا تموت، وأن الشجاعة ليست ضجيجا، بل التزاما هادئا بما هو صواب.
![]()
- زهير الزعواط، طالب بالمعهد العالي للصحافة و الإعلام بالدارالبيضاء.
