جريدة إلكترونية مغربية

أنا، ابنتي، وحِكمةُ الأبوة..

سعيد ناشد

في طفولتها داهمتْ ابنتي شيماء عِلّةٌ في الجهاز العصبي. رافقتُها إلى العيادات وفي ممرّات الانتظار، وكنتُ أُرمّمُ ما ينقصُنا من إمكانيات بالدعم النفسي والمصاحبة الوجدانية، إلى أن تعافتْ مبدئيًّا، غير أنّ للأدوية أحيانًا ظلالًا طويلة. فما إن بلغت عتبة البكالوريا حتى خفَتَ وهجُ التركيز، فتوقّفتْ عن الدراسة.

لم أُخاصِم الواقع. أخذتُ بيدها نحو حِرفةٍ تُمسكُ بقدميها على الأرض، بحيث لا تتكئ على أحد: خيطٌ وإبرة، قماشٌ وفكرة. واستعدْنا التركيز بتمارينَ يدويّةٍ صغيرة، ألعاب تُوقظُ الدقّة والصبر؛ شيء من الحكمة اليابانية والصينية في تحويل اليد إلى مرانٍ لاستعادة التركيز الذهني.

وبينما نُهيّئ محلًّا صغيرًا أقربَ إلى ورشة خياطة، داهمني الطردُ من الوظيفة العمومية. انتصرتُ في معركة القضاء، وتم إنصافي، ثم التحقت للعمل مكلفا بالدراسات في وزارة العدل، لكن العدلَ الأجمل جاءني من جهةٍ أخرى.

كيف؟

أثناء الطرد، واجهتُ العاصفة برباطة جأش، وعيني على ابنتيّ الاثنتين، لكني كنت أخشى على شيماء أن تعيدها الصدمةُ إلى المربّع الأوّل. وفي يومٍ لا يُنسى، جلستْ بقُربي وأنا متَّكئ على الأريكة، وهمستْ: “أبي، صرتُ أملكُ حلمًا كبيرًا: سأجتاز بكالوريا حرّةً من جديد، وأدرسُ قانون الشغل وما يتعلّق بالعمل والتشغيل والمقاولات، وأظفرُ بالميزات، وأحصلُ على أعلى الشهادات، ثم أدافعُ عن كلِّ مَن يُطردُ من عمله ظلمًا”.

آثرتُ الصمتَ الحكيم: مساحةٌ تتنفّسُ فيها الإرادة. أشتري المراجع التي تطلب، وأتراجع خطوةً إلى الخلف. وبعد أربع سنوات عن ذلك الهمس السحري، ها هي الآن تتفوّق في مباراة الولوج إلى ماستر إدارة المقاولات، وتُشير إلى أفق الدكتوراه كما لو أنّه موعدٌ مع ذاتها.

اليوم، أبتسم في وجه كل الرياح بارتياح وأقول: لو كان ثمنُ ما تلقيتُه من ضربات أن يصير لابنتي حلمٌ كهذا، فهذا إنصاف يكفي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.