جريدة إلكترونية مغربية

فيضانات آسفي وجدول أعمال دورة فبراير: أي قرار عمومي بعد “الأحد الأسود”؟ نقطة نمودج 

بقلم: موراحي صلاح الدين حقوقي و مستشار جماعي

 

تنعقد دورة فبراير للمجلس الجماعي لآسفي في ظرف استثنائي فرضته فيضانات ما بات يُعرف بـ“الأحد الأسود”، وهي فيضانات لم تكن مجرد حادث طبيعي عابر، بل لحظة كاشفة لهشاشة البنية التحتية ولطريقة تدبير المجال الحضري بالمدينة.

لقد تركت هذه الفيضانات آثاراً واضحة على الطرقات، الأرصفة، شبكات التطهير، والملك العمومي، كما مست ممتلكات الساكنة وأربكت السير العادي للحياة اليومية. لذلك فإن أي دورة للمجلس بعد هذه الواقعة لا يمكن أن تمر بمنطق إداري عادي، بل يجب أن تُقرأ باعتبارها محطة لإعادة ترتيب الأولويات وربط القرار العمومي بالواقع الاجتماعي والمجالي للمدينة.

فالسياسة المحلية ليست تمرير نقط، بل اختيار ما هو أولى في الزمن المناسب.

الأولوية اليوم: ترميم المدينة قبل برمجة المشاريع

بعد الكوارث، تُقاس نجاعة المؤسسات بقدرتها على الانتقال من التدبير الروتيني إلى التدبير الاستعجالي. أي أن جدول الأعمال يجب أن يضع في صلبه:

• إصلاح ما تضرر من الطرق والشبكات،

• معالجة اختلالات التطهير وتصريف المياه،

• تقييم مسؤوليات المتدخلين،

• وتوجيه الموارد نحو ما هو مستعجل وملموس للساكنة.

لكن حين تمر الدورة دون استحضار مركزي لآثار الفيضانات، فإننا نكون أمام فجوة بين القرار والواقع، وبين السياسة وحياة الناس اليومية.

المدينة اليوم تحتاج إلى إصلاح قبل المشاريع، وإلى ثقة قبل البرمجة.

نزع الملكية: خدمة للمنفعة العامة أم وساطة لفائدة الشركات؟

من بين النقط التي تثير النقاش في دورة فبراير تلك المتعلقة بتعديل مقرر يهم اقتناء أو نزع ملكية قطع أرضية لإنجاز محطة لضخ المياه المحلاة لفائدة الشركة متعددة الخدمات. ورغم أهمية الأمن المائي للمدينة، فإن الإشكال لا يكمن في الهدف، بل في طريقة التدبير.

فنزع الملكية إجراء استثنائي، يُفترض أن يكون لخدمة منفعة عمومية مباشرة، وبمساطر تحمي الملكية الخاصة. وعندما تتحمل الجماعة عبء النزع والنزاعات والتعويضات، ثم يُسلَّم العقار لشركة دون اتفاقية شراكة واضحة أو دفتر تحملات يحدد الالتزامات والآجال والجزاءات، فإننا نقترب من تحويل الجماعة إلى وسيط عقاري بدل فاعل سياسي وتدبيري.

التمكين لا يجب أن يكون امتيازاً، بل تعاقداً يربط الحقوق بالواجبات.

فيضانات “الأحد الأسود” وسجل المتدخلين

ما وقع بعد الفيضانات بيّن أن المشكل ليس في المطر فقط، بل في انسداد القنوات، هشاشة الشبكات، الحفر غير المعاد إصلاحها، وضعف التنسيق بين المتدخلين. وهي مجالات ترتبط مباشرة بالشركة متعددة الخدمات.

ومن هنا يطرح السؤال نفسه بقوة:

كيف نمر إلى تمكين جديد دون تقييم للأداء؟

وكيف نفتح أوراشاً مستقبلية دون محاسبة عن أعطاب الحاضر؟

في منطق الحكامة، لا تُمنح الأدوات الاستراتيجية دون مساءلة، ولا تُبنى الشراكة دون وضوح والتزام.

التعديل يحتاج إلى تعليل

التعديل في القرارات الجماعية ليس إجراءً شكلياً، بل فعل سياسي يجب أن يقوم على الشفافية. فكل تعديل يفترض بيان أسبابه: ماذا تغير؟ ما الذي أخطأنا فيه؟ وما الذي استجد؟

وعندما يُعرض التعديل دون توضيح، يتحول القرار إلى استعجال قد يربك الأمن القانوني ويضعف ثقة الساكنة في مسار التدبير المحلي.

القرار العمومي لا يُمرر، بل يُقنع.

المدينة قبل كل شيء

آسفي بعد “الأحد الأسود” ليست في حاجة فقط إلى مشاريع مستقبلية، بل إلى طرق آمنة، وشبكات صالحة، وتواصل صادق، وعدالة في ترتيب الأولويات.

فالساكنة لا تسأل اليوم فقط عن محطات الماء المحلى، بل عن شوارع غرقت، وأحياء تضررت، وممتلكات تلفت، وشعور عام بأن المدينة كانت وحدها لحظة الخطر.

ومن هنا، تصبح دورة فبراير اختباراً حقيقياً:

إما دورة لإصلاح ما دُمّر وربط الشراكة بالمحاسبة،

أو مجرد محطة تمرير لا تعكس نبض المدينة.

آسفي اليوم تحتاج إلى قرار عمومي قريب من المواطن، يحمي الملك الجماعي، ويؤسس للحكامة قبل الاستعجال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.