جريدة إلكترونية مغربية

تاريخ صناعة التصبير في آسفي: من البدايات إلى العصر الذهبي.

تعود جذور صناعة التصبير في مدينة آسفي إلى ثلاثينيات القرن العشرين، حينما اكتشف المستثمرون الإمكانات الهائلة التي يوفرها الساحل الأطلسي للمدينة، الغني بالثروة السمكية، وخاصة سمك السردين. ومع توفر اليد العاملة الرخيصة، بدأت المعامل تتناسل على طول الساحل، لتشهد المدينة في خمسينيات القرن الماضي تحولاً جذرياً جعلها مدينة رائدة في صيد وتعليب السردين.

 

بلغت هذه الصناعة ذروتها في أواخر الستينات وبداية السبعينات حيث احتضنت آسفي أكبر حي صناعي يمتد لأكثر من خمسة كيلومترات، وضم في فترته الذهبية حوالي 68 وحدة صناعية. في تلك الفترة، كانت هذه المعامل تقوم بتصبير ما يناهز 900 إلى 1000 طن يومياً من السردين، وهو ما يمثل حوالي 70% من إجمالي مصطادات المراكب بميناء آسفي. أصبحت المدينة بفضل هذا الزخم أول مصدر للسردين في العالم، حيث كانت تصدر منتجاتها إلى أكثر من 100 دولة عبر القارات الخمس، محققة بذلك ازدهاراً اقتصادياً غير مسبوق في الستينيات والسبعينيات.

أرباب المعامل: مهندسو العصر الذهبي للتصبير

لا يمكن الحديث عن تاريخ صناعة التصبير في آسفي دون التوقف عند أسماء أرباب المعامل الذين أسسوا هذه الصناعة وطوروا آلياتها. لقد كان لهؤلاء الرجال دور محوري في تحويل آسفي إلى قطب صناعي عالمي.

 

الحاج عبيد (محمد عابد): المايسترو العصامي

يُعتبر “الحاج عبيد”، كما يُعرف في الأوساط الآسفية، واحداً من أبرز الوجوه التي بصمت تاريخ الصيد البحري وصناعة التصبير بالمدينة. كان رجل أعمال عصامياً وأسطورياً، عُرف باستقدامه لأحدث التقنيات في مجال الصيد. في عام 1964، كانت “مؤسسة الحاج عبيد” تعتبر نموذجاً يُحتذى به في صناعة التصبير. لقد كان حضوره متفرداً وقوياً، وساهم بشكل وازن في ازدهار الاقتصاد المحلي، مما جعله يحظى بتكريم خاص في مهرجان البحر بآسفي تقديراً لجهوده.

 

الحاج محمد الطالكي: رائد الصناعة الحديثة

من الأسماء اللامعة أيضاً في هذا المجال “الحاج محمد الطالكي”، مؤسس مجموعة الطالكي للتصبير، والتي تُعد أكبر مجموعة لتصبير السمك في آسفي. لقد طبع الطالكي مناخ الأعمال القطاعي بالمدينة، وقاد مجموعته لتصبح تجربة رائدة ومتقدمة على المستويين الوطني والدولي. لم يقتصر دوره على الجانب الاقتصادي، بل عُرف بمساهماته الاجتماعية ودعمه المالي والعيني للمجتمع المحلي.

 

معمل ميداف: رائد التكنولوجيا الحديثة

من المعامل البارزة التي تركت بصمة واضحة على الصناعة “معمل ميداف” (MIDAV)، الذي قاده كل من “منير دالومال” و”جون سيجيل”. كان هذا المعمل من المعامل الرائدة التي استثمرت في التكنولوجيا الحديثة، وساهم في رفع مستويات الإنتاج والجودة في الصناعة.

 

المعامل الشريفة للتصبير: الشراكة الناجحة

مثلت “المعامل الشريفة للتصبير” نموذجاً آخر للشراكة الناجحة بين المستثمرين المحليين والأجانب، حيث قادها كل من “جوستو” و”الجمالي”. اشتهرت هذه المعامل بجودة منتجاتها وتطبيقها لمعايير صحية عالية.

 

معامل العلامات الكبرى: الحرفية والتميز

تحت قيادة “عيوش عبد الحميد”، برزت “معامل العلامات الكبرى” كمؤسسة متخصصة في إنتاج علامات تجارية مشهورة عالمياً. عُرفت هذه المعامل بالحرفية العالية والالتزام بمعايير الجودة الدولية.

 

أونيمير: الاستقرار والاستمرارية

من المعامل التي استطاعت الصمود والاستمرار عبر العقود “أونيمير” (UNIMER)، بقيادة “لعلج سعيد”. حافظت هذه المؤسسة على استقرارها الاقتصادي وساهمت بشكل متواصل في توظيف العمالة المحلية.

 

سوجينكو: عائلة الياسي وإرث عائلي

مثلت “سوجينكو” (SOGINCO) بقيادة “عائلة الياسي” حالة فريدة من الإرث العائلي في الصناعة. استطاعت هذه المؤسسة العائلية أن تحافظ على مكانتها في السوق وتوسع نشاطاتها عبر السنوات.

 

المستثمرون الأجانب الأوائل: لودان وفليب

إلى جانب هؤلاء الرواد، لعب المستثمرون الأجانب الأوائل دوراً مبكراً في تأسيس هذه الصناعة. أسماء مثل “لودان” (Loudan) و”فليب” (Philippe) ارتبطت ببدايات صناعة التصبير في آسفي، حيث جلبوا معهم رؤوس الأموال والخبرات الأوروبية التي أسست للبنية التحتية الأولى لمعامل التصبير، مما مهد الطريق لاحقاً للمستثمرين المحليين لقيادة القطاع.

 

المرأة الآسفية: الأيادي الخفية التي صنعت الثروة

خلف الأرقام الضخمة للصادرات والثروات التي راكمتها معامل التصبير، تقف المرأة الآسفية كجندي مجهول، تُقدم تضحيات جسيمة في صمت. لقد كانت ولا تزال النساء هن العمود الفقري لهذه الصناعة، حيث يُشكلن الأغلبية الساحقة من اليد العاملة في المعامل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.