عقود عرفية “مُصادق عليها” تثير زوبعة حول تفويت عقارات سلالية بحربيل مراكش.. والتحقيق يكشف خروقات جسيمة
إحالة 6 موظفين جماعيين على الدرك الملكي واستئناف البحث في ملف تصحيح إمضاءات خارج النفوذ الترابي، في وقت تحذّر فيه الداخلية من بطلان هذه التصرفات وعقوبات تصل إلى 5 سنوات سجناً
كشفت معطيات جديدة عن تصاعد وتيرة المصادقة على عقود عرفية حديثة، يُرجح ارتباطها بملف حساس يتعلق بتفويت عقارات تابعة للجماعات السلالية بجماعة حربيل ضواحي مراكش. وتوالت التحقيقات القضائية التي شملت إحالة ستة موظفين جماعيين على مصالح الدرك الملكي، فيما تتكشف تفاصيل عن عمليات مصادقة تمت في ملحقات إدارية خارج نطاق اختصاصها الترابي، في ظل تنامي نشاط وسطاء يُشتبه في تسهيلها، وهو ما دفع وزارة الداخلية إلى التأكيد مجدداً على عدم قانونية هذه الممارسات وعرض المسؤولين عنها للمساءلة.
وأطلعت جريدة “الحدث الان” على ثلاثة عقود عرفية تمت المصادقة عليها خلال سنة 2025 بالملحقة الإدارية “الحي الجديد” التابعة لمقاطعة سيدي يوسف بن علي، وتهم جميعها التنازل عن منازل مبنية فوق أراضي سلالية بدواوير “أيت بلا أوسعيد”، و”السيفر”، و”دوار القائد” بجماعة حربيل. ويطرح سؤال جوهري حول مدى قانونية هذه العمليات، لا سيما أن بعضها يخص عقارات تقع خارج النفوذ الترابي للملحقة التي صادقت عليها، وهو ما يتعارض صراحة مع المساطر الإدارية المنظمة لتصحيح الإمضاءات.
وفي هذا الإطار، قرر وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بمراكش إعادة إحالة ملف ستة موظفين جماعيين، ينتمون لملحقات إدارية بمقاطعات سيدي يوسف بن علي والمنارة وتامنصورت، على مصالح الدرك الملكي لاستكمال البحث القضائي في القضية. ويشمل التحقيق أيضاً عدداً من المستفيدين من عمليات التفويت، الذين تم تقديمهم في حالة سراح، بينما لا تزال التحقيقات جارية للكشف عن شبكات محتملة لتسهيل هذه المعاملات والتأكد من ظروف إنجازها.
وتشير المعطيات إلى تسجيل إقبال متزايد مؤخراً على الملحقات الإدارية من قبل مرتفقين يسعون لتصحيح إمضاءاتهم على عقود عرفية لنقل ملكية عقارات، وسط توافد ملحوظ لأشخاص من خارج النفوذ الترابي لهذه الملحقات. ويتزامن هذا التوافد مع تنامي نشاط وسطاء يُشتبه في دورهم في تسريع وتسهيل إجراءات المصادقة، مما يثير شكوكاً حول احترام الضوابط القانونية والمهنية المؤطرة لهذه العمليات. وقد اطلعت الجريدة على نموذج عقد مصادق عليه يهم تفويت عقار مساحته 500 متر مربع بدوار السيفر، وهو ما يعزز التساؤلات حول المبررات القانونية لمصادقة عقود تخص عقارات خارج النفوذ الترابي للمصلحة المعنية.
من جهتها، شددت وزارة الداخلية في مراسلات ومذكرات رسمية على أن تصحيح الإمضاء على العقود العرفية المتعلقة بنقل ملكية العقارات، خاصة أراضي الجماعات السلالية والأراضي العارية، يُعد إجراء غير قانوني إذا تم خارج إطار العدول أو الموثقين المعتمدين. وأوضحت الوزارة أن هذه الممارسات تعرض المشرفين عليها للمساءلة القانونية، وتهدف إلى الحد من الفوضى القانونية التي تؤدي حكماً إلى بطلان التصرفات العقارية، في وقت تسعى فيه الدولة لتقنين المجال العقاري ومحاربة التجزيء السري والبناء العشوائي.
وينص القانون رقم 62.17 المتعلق بالجماعات السلالية على عقوبات تصل إلى خمس سنوات سجناً وغرامة تتراوح بين 10 آلاف و100 ألف درهم لكل من يشارك في إعداد أو المصادقة على وثائق تفويت أو تنازل عن عقار سلالي مخالفة للقانون. ويحذر خبراء قانونيون من أن استمرار هذه الممارسات لا يعرض المشترين لمخاطر فقدان استثماراتهم فحسب، بل يساهم أيضاً في تشويه المجال العمراني وإفراغ الأراضي الجماعية من طابعها القانوني والحمائي، مما يفقد الدولة جزءاً من أدواتها في تدبير المجال الترابي.
وفي انتظار خلاصات البحث القضائي، تظل قضية عقود حربيل مؤشراً على ضرورة تشديد المراقبة على مصالح تصحيح الإمضاءات، وتفعيل آليات التنسيق بين الإدارات الترابية والقضائية والعدلية لضمان شفافية المعاملات العقارية. كما تدعو الجهات المعنية المواطنين إلى توخي الحيطة والاعتماد حصراً على المساطر الرسمية الموثقة، تفادياً للوقوع في شبكات غير قانونية قد تلغي حقوقهم وتورطهم في مساءلات جنائية.