جريدة إلكترونية مغربية

بشراكة مع المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء: ورشة تفاعلية مغربية–صينية

في إطار التظاهرة السنوية »ملتقى دجيننوف 2026 « ، احتضنت كلية العلوم بن مسيك بالدار البيضاء مؤخرا مبادرة ثقافية وازنة خُصصت لتعزيز التبادل الثقافي المغربي–الصيني، وقد حظيت هذه الفعالية باهتمام ملحوظ من طرف الأوساط الأكاديمية وعشاق الفنون على حد سواء. وتميّزت هذه المناسبة بتسليط الضوء على فنّ «ليوشاجيان»، وهو ممارسة فنية صينية تقليدية مُدرجة ضمن التراث الثقافي غير المادي، ويُعرف عادةً باسم «فن الورق بالرمال الملوّنة. «

من خلال عرض تفاعلي مُدمج ضمن ورشة للرسم، أتاح هذا الفن تجربة جمالية فريدة كشفت عن غنى الحوار بين الثقافات. وبفضل أبعاده البصرية والرمزية، برز «ليوشاجيان» بوصفه وسيطا متميّزا للتواصل الثقافي، يُسهم في تعزيز الفهم المتبادل بين التقاليد الفنية المغربية والصينية.

وقد نُظمت هذه الورشة بشراكة مع المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، تحت الإشراف البيداغوجي للأستاذة تونغ شيوجوان، بمرافقة ثمانية عشر مشاركا موهوبا، من بينهم حسام البلغـيتي وحفصة صبايتي (من خريجي المدرسة)، إلى جانب فنانين شباب آخرين منخرطين. وقد اضطلع الفريق المشكّل بهذه الصيغة بتنفيذ العروض التقنية، ونقل المعارف، ومواكبة المشاركين بشكل فردي طوال اليوم، بكثير من الانضباط والحيوية. كما أتاح الطابع الشمولي للورشة وانفتاحها على مختلف فئات الجمهور فرصة للطلبة المغاربة والصينيين، وللضيوف الدوليين، ولمختلف الزوار، لاكتشاف الجمال الشكلي والغنى الثقافي لفن «ليوشاجيان» عبر تجارب غامرة وإبداعات حرة.

جمالية تتأرجح بين الإرث العريق والراهنية

يندرج فن «ليوشاجيان» ضمن تقليد فني عريق يقع عند تقاطع الرسم وفن الورق. وقد نشأ في حضن الحضارة الصينية، وتطوّر عبر قرون طويلة من خلال توظيف مواد طبيعية مثل الأصباغ المعدنية والرمال الملوّنة، مقترنة بإتقان تقني قائم على سيولة الحركة وعفوية مضبوطة.وتكمن خصوصية هذا الفن في الطابع غير المتوقع والمتفرّد لكل عمل فني. إذ يقوم مساره الإبداعي على تفاعل دقيق بين الماء والمادة والحركة، مولِّدًا أشكالًا في تحوّل دائم. وترتبط هذه الدينامية بأسس فلسفية مستوحاة من الفكر الطاوي، حيث يشكّل الانسجام مع الطبيعة مبدأً بنيويا.لا يقتصر «ليوشاجيان» على كونه ممارسة جمالية فحسب، بل يجسد رؤية للعالم تتعايش فيها التقاليد مع الابتكار. وهو ما يجعله منسجما تماما مع موضوع هذه التظاهرة القائم على التفاعل بين الثقافة والعلم والابتكار، بوصفه وسيطًا لنقل التراث وتجديد الإبداع.

شخصية محورية في الحوار الفني الدولي

تونغ شيوجوان من أبرز المتخصصين في مجال التراث الثقافي غير المادي، ومن أهم المروّجين لفن «ليوشاجيان» على الصعيد الدولي. وتندرج أعمالها ضمن مقاربة علمية وتربوية تهدف إلى تثمين الحِرَف التقليدية ونشرها في سياقات متعددة الثقافات.

بفضل خبرتها الأكاديمية والمؤسساتية المتميزة، أشرفت على العديد من المشاريع المرتبطة برقمنة التراث، وتأويل الرموز الثقافية، وتعزيز التعاون الفني الدولي. كما يعكس انخراطها في برامج مرتبطة بمبادرة «الحزام والطريق» حرصها على إدماج الفن ضمن دينامية عالمية لتبادل المعارف.

جعلها هذا المسار تُصنف كشخصية بارزة في الحوار الثقافي بين الصين والمغرب، بل وُصفت بـ«أولى المروّجات لفن ليوشاجيان عالميا». وقد أُنجزت هذه التظاهرة بتعاون مع طلبتها المغاربة، كما عرضت أعمالًا للدكتور تشن قوهوي من أكاديمية الفنون الجميلة بغوانغتشو، إضافة إلى إبداعات عدد من طلبتها.

إقبال واسع وتفاعل إبداعي لافت

شهدت الورشة إقبالا متزايدا، حيث استقطبت عددا كبيرا من المشاركين قُدّر بنحو ألف شخص، وهو ما يعكس تنامي الاهتمام بالممارسات الفنية متعددة الثقافات وبالأشكال التعبيرية الحوارية. وقد تعرف المشاركون على مختلف مراحل العملية الإبداعية، من إعداد المواد إلى التشكيل النهائي، مما أتاح لهم تجربة حسية وتفاعلية عميقة.

من أبرز ما لوحظ، إقدام الطلبة المغاربة على توظيف عناصر من تراثهم البصري، مثل الخط العربي والزخارف الهندسية الإسلامية، داخل أعمالهم، وهو ما أفرز إبداعات هجينة تعبّر عن تلاقح ثقافي غني. وفي إطار تثمين هذه التجربة، تم توزيع شواهد تقديرية على المشاركين المتميزين، تعزيزا لقيم التبادل والتقدير المتبادل.

إشعاع يتجاوز الحدود المحلية

لا يقتصر أثر هذه المبادرة على بعدها الفني، بل يندرج ضمن استراتيجية مؤسساتية تروم الانفتاح وتعزيز التعاون الدولي. وقد أكدت ردود الفعل الإيجابية الصادرة عن الأساتذة والطلبة والضيوف أهمية مثل هذه الأنشطة في توطيد العلاقات الثقافية بين المغرب والصين، بل وعلى مستوى القارة الإفريقية ككل.

كما تجاوز إشعاع هذه الورشة نطاقها المحلي، إذ ساهمت في التعريف بالتراث الثقافي غير المادي الصيني وتعزيز روابط التواصل بين الأجيال الصاعدة. وهي بذلك تجسّد الدور المحوري للفن بوصفه لغة كونية قادرة على بناء جسور الحوار بين الحضارات.

إن الدعوات التي تلقاها فريق «ليوشاجيان» من عدة بلدان إفريقية تؤكد البعد الدولي المتنامي لهذه المبادرة، التي تمثل نموذجا ناجحا للتفاعل بين الأصالة والحداثة، وتجسيدا حيا لإمكانات التبادل الثقافي في بناء فضاء إنساني مشترك قائم على التعاون والانفتاح.

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.