كعك آسفي: حين اختبأ الذهب في العجين… وحفظت النساء ذاكرة مدينة
في أحد دروب المدينة العتيقة بآسفي، وقبل حلول عاشوراء بأيام، تنتشر رائحة الزبدة وماء الزهر من البيوت التي تنشغل نساؤها في إعداد الكعك. مشهد يتكرر منذ أجيال حتى أصبح جزءا من ذاكرة المدينة وهويتها الثقافية.

الكعك المنقوش… ذاكرة تعبر الحضارات
لا يحمل الكعك قيمة غذائية فقط، بل يختزن تاريخا طويلا يمتد عبر الحضارات فقد ربط بعض الباحثين بين الكعك الاحتفالي المنقوش وبعض التقاليد التي عرفتها مصر القديمة
حيث كانت أقراص العجين تزين برموز وأشكال مرتبطة بالشمس والحياة والخصوبة وهي رموز استمرت بأشكال مختلفة عبر الأزمنة والثقافات
وعبر القرون انتقلت تقاليد الكعك الاحتفالي بين شعوب وحضارات متعددة لتجد في الأندلس ثم في آسفي أشكالا جديدة من التعبير والاستمرار.
سر الذهب والموريسكيين
أما في الذاكرة المحلية فيرتبط الكعك بقصة الموريسكيين الذين طُردوا من الأندلس سنة 1609 وتروي الحكاية أنهم أخفوا مصوغاتهم الذهبية داخل قطع الكعك أثناء رحلة المنفى نحو شمال إفريقيا وسواء كانت الرواية حقيقة كاملة أو جزءا من الذاكرة الشعبية، فإن المؤكد أن الموريسكيين حملوا معهم إلى آسفي كثيرا من عاداتهم وفنونهم الغذائية وكان الكعك من أبرز ما استقر بالمدينة.
مهارة المرأة العبدية وصبر الأجيال
تتميز آسفي بنوع خاص من الكعك الصغير جداً، الذي يحتاج إلى صبر ودقة استثنائيين فكلما صغر حجم الكعكة ازدادت صعوبة تشكيلها ونقشها لذلك أصبح الكعك الصغير رمزا لمهارة المرأة العبدية وإتقانها.
وكانت النساء يجتمعن خاصة خلال عاشوراء داخل البيوت لتبادل الخبرات والحكايات فيتحول إعداد الكعك إلى طقس اجتماعي تتوارثه الأجيال ولم يكن الكعك مجرد حلوى
بل فضاء لنقل المعرفة الشعبية وترسيخ الروابط الأسرية والاجتماعية.
الماصابان… عبير التعايش الثقافي
وإلى جانب الكعك اشتهرت آسفي بحلوى “الماصابان” المصنوعة أساسا من اللوز والمشكلة على هيئة تيجان مزينة بحبيبات ملونة وتعكس هذه الحلوى بدورها تاريخ التعايش الثقافي الذي عرفته المدينة حيث ساهمت العائلات اليهودية الآسفية في إتقان صناعتها ونقلها إلى باقي السكان
لتصبح جزءا من التراث المحلي المشترك.
عندما ينتصر الطعم على النسيان
هكذا لم يكن الكعك الآسفي مجرد حلوى موسمية، بل ذاكرة حية تختزن آثار حضارات وهجرات وثقافات متعددة.
وبين أنامل النساء اللواتي حافظن على أسراره جيلا بعد جيل ظل هذا الكعك شاهدا على قصة مدينة نجحت في حفظ جزء من تاريخها داخل العجين، قبل أن تحفظه في الكتب والوثائق. لذلك، فكل قطعة كعك آسفية ليست مجرد طعام، بل حكاية صغيرة تختصر رحلة طويلة من الذاكرة والهوية والتعايش الإنساني