وجوه من ذاكرة آسفي التي لا يجب أن تُنسى
في هذه الصورة ثلاثة رجال من الرعيل الأول للنضال السياسي بمدينة آسفي: امبارك المتوكل، والحبيبي المحجوب، وعبد الكريم بندقية. رجال ارتبطت أسماؤهم بتاريخ طويل من الالتزام السياسي والفكري، وكانوا من الاتحاديين الأقحاح، ومن أعضاء اللجنة الإدارية التي وجدت نفسها مضطرة إلى الانفصال عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في 24 ماي 1983، لتساهم في تأسيس حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.

بالنسبة إلى جيلي، لم نعرف في بدايات تشكل وعينا السياسي غير هذه الأسماء وأمثالها. كانوا حاضرين في النقاشات، وفي المواقف، وفي تفاصيل الحياة اليومية. ومن بينهم أيضاً أسماء لا تقل قيمة وعطاءً: الطيبي البوعيبي، ومحمد لمرابتين “السيكليس”، صاحب محل بيع دراجات “سيمسون” الشهير، وغيرهم كثيرون ممن تطول بهم اللائحة ويضيق عنهم المقام.
أكتب هذه الكلمات فقط من أجل التذكير. فذاكرة آسفي، للأسف، بدأت تتآكل، وأصبح الفضاء السياسي والنقابي مزدحماً بوجوه عابرة، لا يعرف لها الناس فصلاً ولا أصلاً، بينما يتراجع ذكر أولئك الذين صنعوا جزءاً من تاريخ المدينة بصدقهم ونظافة أيديهم وإيمانهم بقضايا الناس.

اليوم بلغ المناضل امبارك المتوكل من العمر ما يناهز السادسة والثمانين. وما يثير الدهشة والإعجاب أن ذاكرته ما تزال متقدة كأنها حاسوب يسترجع الأحداث والتفاصيل والأسماء بدقة مدهشة. وحين يحدثك، يفعل ذلك بابتسامته المعهودة التي لم يستطع الزمن أن ينتزع منها شيئاً.
وفي الصورة أيضاً الحبيبي المحجوب، الكاتب والشاعر والمناضل والخطيب، الذي نتمنى له الشفاء والعافية، وأن يتجاوز محنته الصحية بسلام.
أما الآخرون فقد غادرونا مبكراً، تاركين وراءهم سيرة طيبة وأثراً لا يمحوه الزمن. رحم الله عبد الكريم بندقية، ورحم الله الطيبي البوعيبي، ورحم الله محمد لمرابتين، وكل مناضلي آسفي الذين أعطوا الكثير دون أن ينتظروا جزاءً أو شكوراً.

إنهم رجال أدوا ثمن الكلمة الحرة غاليا من حريتهم وقوت اولادهم تعرضوا للإختطاف كما حصل مع محماد السيكليس الذي ٱستنطقه اوفقير بنفسه والإعتقال في السجون السرية والعلنية “الكوربيس ” وما جاوره بالنسبة للمتوكل .إن المدن لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى أيضاً بذاكرتها. وحين ننسى رجالها ونساءها الذين حملوا همومها ودافعوا عن قيم الحرية والكرامة والعدالة، فإننا نفقد جزءاً من روحها. لذلك يبقى الوفاء للذاكرة واجباً، ليس من أجل الماضي فقط، بل من أجل الأجيال القادمة التي من حقها أن تعرف من كانوا هنا قبل أن تمتلئ الساحات بالضجيج وتغيب عنها المعاني.