الحق في المدينة…
ليست المدينة حجراً وإسمنتاً وشوارعَ تتقاطع، بل هي قبل ذلك فضاءٌ تتجسّد فيه كرامة الإنسان. ومن هنا، فإن الحق في المدينة لا يعني فقط الحق في السكن أو التنقل أو الاستفادة من المرافق، وإنما يعني حق الإنسان في أن يكون مواطناً كاملاً في المكان الذي يعيش فيه؛ مساهما في قراراته، ومشاركاً في صناعة مستقبله.
فالمدينة العادلة هي التي لا تجعل من الحي الذي يولد فيه الإنسان قدراً يحدد مستقبله، ولا تجعل من الفقر عزلةً جغرافية، ولا من الاختلاف سبباً للإقصاء. إنها المدينة التي توزع فرصها ومرافقها وفضاءاتها بعدالة، وتمنح الجميع الحق في الصحة والتعليم والثقافة والبيئة والنقل والسكن والفضاء العمومي؛
ولعل أعمق ما في «الحق في المدينة» أنه ينقلنا من سؤال: ماذا تقدم المدينة للإنسان؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: هل تتيح له أن يكون شريكاً في صنعها؟ فالمدينة التي لا يُسمع فيها صوت المواطن تظل فضاءً للسكن، لا فضاءً للمواطنة.
ومن هنا، يصبح الحق في المدينة امتداداً طبيعياً لحقوق الإنسان، لأن الكرامة لا تُمارس في الفراغ؛ إنها تحتاج إلى مكان عادل، آمن، دامج، مستدام ومفتوح للجميع.
وهنا تبرز مسؤولية الفاعل الترابي والمخطط الحضري والمهندس المعماري ؛ فهؤلاء لايرسمون خرائط للمدينة فحسب، بل يرسمون، في العمق، شروط الحياة داخلها. وكل قرار في التخطيط أو توزيع التجهيزات أو تأهيل الأحياء هو، بصورة أو بأخرى، قرار في العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص. لذلك، فإن التخطيط الحضري الحقيقي ليس هندسةً للفضاء فقط، بل هندسةٌ للكرامة، وترجمةٌ مادية لفكرة المواطنة.
فالمدينة التي تصون كرامة الإنسان لا تكون مجرد مدينة جميلة، بل مدينة عادلة؛ والمدينة العادلة ليست التي تُكثر من البنايات، وإنما التي تجعل الإنسان غايتها الأولى.
فالحق في المدينة، في جوهره، هو حق الإنسان في المكان، وفي الكرامة، وفي المشاركة، وفي أن يكون له نصيب عادل من المدينة التي يصنعها ويصنع مستقبله فيها.
ولذلك، لا تكتمل إنسانية المدينة إلا حين تصبح الكرامة مبدأً في تخطيطها، والعدالة روحاً في توزيعها، والمواطنة صوتاً في تدبيرها، والمسؤولية ضميراً يحكم قرارات مخططيها ومدبريها …
* منير الشرقي