على هامش الخواء السياسي…
محمد بوسيدي
أجلس في الركن المعتاد من مقهى “آسيف”، أطلّ على المدينة التي كبرت في العمر ولم تكبر في الحلم. أمامي فنجان قهوة مُرّ، يشبه هذا الوطن حين يبتسم لك بوجه ويطعن بيد.
أراقب الشارع… نفس الأرصفة التي مشينا عليها في السبعينيات، ونحن نحمل بيانات سرية في الجيوب، نخاف العيون ونحبّ فكرة الوطن حتى الموت. كان الليل طويلاً، لكننا كنّا نحلم بشمس تُشرق على دستور يكتبه الشعب، وبرلمان يناقش لا يصفّق، وحكومة تُحاسب لا تُحاسَب.
أتذكّر عبد الرحيم بوعبيد، صلابته، كلماته التي كانت رصاصاً في زمن الرصاص. الرجل كان يعرف أن كلمة “لا” تكلفه سنوات من الجمر، ومع ذلك قالها. أتذكّر رفاقي الذين ملأوا السجون، لكنهم لم يفرّغوا المعنى من الكرامة. كنّا نكتب التاريخ بدمنا، واليوم؟ يكتبونه بحبر ممزوج بالابتسامات البروتوكولية.
أنظر إلى المشهد الحالي، فأضحك… أو ربما أبكي من الداخل. الأحزاب التي كانت تصرخ في وجه المخزن، صارت تُمارس اليوغا في حضرته. النخب التي كانت تقول “أوقفوا الاستبداد”، صارت تقول: “أوقفوا التصوير، بغيت نعاود المشهد”. السياسة التي كانت محرقة للمنافقين، صارت جنة للانتهازيين.
أما أولئك الذين ما زالوا يصرخون؟ يُنظر إليهم كغرباء، كأصوات نشاز في سيمفونية الإجماع. أن تكون معارضاً اليوم يعني أن تكون وحيداً… لا في السجن، بل في الفكرة. لأن المجتمع نفسه صار يفضّل الذكاء في الركوع على الشجاعة في الوقوف.
أشعل سيجارة أخرى، وأتساءل:
هل كنتُ مخطئاً؟ هل كان حلمنا كبيراً على هذا الوطن؟ أم أن الوطن هو الذي صار صغيراً على حلمنا؟
أعرف الجواب… لكنني أُفضّل أن أحتفظ به بيني وبين هذا البحر، الذي ما زال يصرخ بأمواجه كلما سكتت المدينة.
أدفع ثمن القهوة، وأغادر. في الطريق، أمرّ بجانب لافتة انتخابية كبيرة، عليها وجه قرد يبتسم تحت شعار “المغرب غادي القدّام”. أبتسم أنا أيضاً، لكن بمرارة… لأنني أعرف أن المغرب لا يذهب إلى الأمام، بل يركض في دائرة، ونحن نصفّق له من الداخل.