جريدة إلكترونية مغربية

اسفي حاضرة في وثيقة المطالبة بالاستقلال بفضل ثلة من رجالاتها الأخيار 

تُخلّد ساكنة مدينة آسفي، اليوم الأحد 11 يناير 2026، ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، تلك اللحظة المفصلية في تاريخ المغرب المعاصر، التي لم تكن مجرد عريضة سياسية، بل إعلاناً جماعياً عن نضج الوعي الوطني، وانتقال الكفاح من منطق التذمر إلى منطق المطالبة الصريحة بالحرية والسيادة.

وفي خضم هذا الحدث الوطني الكبير، تبرز آسفي كإحدى الحواضر التي لم تقف في الصفوف الخلفية، بل ساهمت برجالها وعلمائها ومثقفيها في صياغة لحظة تاريخية حاسمة، ستظل شاهدة على التلاحم العميق بين الشعب والعرش، وعلى دور النخب الدينية والعلمية في معركة التحرر.

#الحركة الوطنية بآسفي: حضور فعلي لا رمزي

تفيد العديد من المصادر التاريخية، وشهادات المؤرخين والباحثين في الذاكرة الوطنية، أن الحركة الوطنية بآسفي كانت فاعلة ومؤثرة، سواء من خلال التعبئة الشعبية، أو عبر تأطير الوعي الديني والتعليمي، أو بالمشاركة المباشرة في التوقيع على وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944.

وقد مثّل المدينة في هذه اللحظة التاريخية ثلاثة أسماء وازنة، جمعت بين العلم، والالتزام الوطني، والاستعداد لتحمل تبعات المواجهة مع سلطات الحماية، وهم:

الفقيه محمد البوعمراني

الفقيه عبد السلام المستاري

الأستاذ أمحمد بلخضير

ثلاثة مسارات متقاطعة في حب الوطن، مختلفة في أدواتها، موحدة في غايتها.

#أمحمد بلخضير… المثقف الوطني في قلب المعركة

يُعد الأستاذ أمحمد بلخضير من الأسماء البارزة في تاريخ الحركة الوطنية بآسفي، حيث جمع بين التكوين الثقافي والوعي السياسي المبكر، وكان من الوجوه التي آمنت بأن معركة الاستقلال لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالكلمة، والتأطير، وبناء الوعي الجماعي.

تشير كتابات عدد من المؤرخين إلى أن بلخضير كان منخرطاً في شبكات التواصل الوطنية، ومتابعاً لتطورات الحركة الوطنية على الصعيدين المحلي والوطني، ما جعله مؤهلاً لتحمل مسؤولية التوقيع على الوثيقة، بكل ما كان يحمله ذلك من مخاطر الاعتقال والملاحقة.

لقد قدّم نفسه، كما يصفه معاصروه، فداءً للوطن، مؤمناً بأن لحظة التاريخ لا تنتظر المترددين.

عبد السلام المستاري… الفقيه الذي اختار المواجهة

أما الفقيه عبد السلام المستاري، فيُصنّف ضمن العلماء الذين تجاوزوا الدور التقليدي للمسجد، لينخرطوا في معركة التحرر الوطني من بوابة الدين والوعي الأخلاقي.

كان المستاري صوتاً دينياً وطنياً، يُسهم في توعية الساكنة بخطورة الاستعمار، ويُرسّخ فكرة أن مقاومة الظلم واجب شرعي قبل أن تكون خياراً سياسياً.

ولهذا، لم يكن توقيعه على وثيقة المطالبة بالاستقلال خطوة معزولة، بل تتويجاً لمسار طويل من الالتزام والتأطير.

وقد سجّل التاريخ اسمه ضمن لائحة الموقعين، باعتباره أحد الوجوه التي جمعت بين العلم، والجرأة، وتحمل المسؤولية التاريخية.

#محمد البوعمراني… العالم الذي وقّع باسم آسفي

يشكّل الفقيه محمد البوعمراني نموذجاً للعالم الوطني الذي فهم مبكراً أن لحظة الاستقلال تقتضي وضوحاً في الموقف، وحسماً في الاختيار.

تُجمع المصادر على أن البوعمراني كان يحظى بمكانة علمية واجتماعية معتبرة داخل المدينة، وهو ما جعل توقيعه على الوثيقة يحمل دلالة رمزية قوية، ليس فقط بصفته فرداً، بل باعتباره ممثلاً لضمير علمي جماعي.

وقد شكّل حضوره ضمن الموقعين رسالة واضحة مفادها أن آسفي، بعلمائها، اختارت الاصطفاف في صف الوطن، مهما كانت الكلفة.

من لم يوقّع… لكنه حضر بقوة: إدريس بناصر ومحمد الهسكوري

ولا يكتمل الحديث عن الحركة الوطنية بآسفي دون استحضار اسمي:

الفقيه إدريس بناصر

الفقيه محمد الهسكوري

وهما من الرموز الوطنية التي لم توقّع على الوثيقة، ليس تراجعاً أو خوفاً، بل بقرار تنظيمي ووطني واعٍ.

فحسب شهادة الأستاذ عبد الرحيم بودرة، القيم السابق على فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بآسفي، فإن الوطنيين ارتأوا عدم إشراكهما في التوقيع مخافة اعتقالهما، نظراً لحساسية الأدوار التي كانا يضطلعان بها:

إدريس بناصر: مسؤول عن التوعية الوطنية في المجال الديني

محمد الهسكوري: مشرف على التأطير التعليمي والتربوي

وهو ما يؤكد أن النضال الوطني لم يكن فعلاً فردياً معزولاً، بل عملاً جماعياً منظماً، يراعي توازن الأدوار واستمرارية المقاومة.

#آسفي… تاريخ من العطاء وحق مؤجل في التنمية

وفي هذا السياق، يؤكد الباحث في التراث سعيد الجدياني أن مدينة آسفي كانت حاضرة بقوة برجالها ونسائها في واحدة من أصعب مراحل التاريخ الوطني، حيث كان مطلبهم واضحاً: رحيل الاستعمار واستعادة السيادة الوطنية.

ويضيف أن وثيقة المطالبة بالاستقلال، في سياقها التاريخي، شكّلت ثورة وطنية مكتملة الأركان، عكست نضج الوعي المغربي وقدرته على تقرير مصيره، في انسجام تام مع العرش العلوي المجيد.

غير أن استحضار هذا التاريخ المجيد يطرح اليوم سؤالاً مشروعاً:

كيف لمدينة بهذا الرصيد النضالي، أن تُقصى لسنوات من حقها في التنمية والعدالة المجالية؟

#الذاكرة الوطنية… من الوفاء إلى الفعل

إن الاحتفاء برجالات آسفي الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال، كما يؤكد الأستاذ عبد الرحيم بودرة، ليس مجرد استذكار مناسباتي، بل فعل وعي جماعي، يحمل أبعاداً إنسانية وروحية، ويُجدد معاني الوفاء لتضحيات رجال سطروا ملاحم نضالية خالدة بقيادة بطل التحرير جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه.

وهو احتفاء ينبغي أن يتحول من طقس رمزي إلى رافعة ثقافية وتنموية، تُعيد الاعتبار لتاريخ المدينة، وتُقرّب الأجيال الصاعدة من نماذج وطنية صادقة، وتُرسّخ قيم الوطنية.

آسفي لم تكن على هامش التاريخ، بل في قلبه.

ورجالاتها لم يكونوا شهوداً، بل فاعلين.

وإذا كان الاستقلال قد تحقق بالأمس، فإن معركة الإنصاف التنموي ورد الاعتبار ما تزال مفتوحة… وتستحق نفس الصدق، ونفس الجرأة، ونفس الروح الوطنية التي وقّع بها بلخضير، والمستاري، والبوعمراني، ومن ساندهم من خلف الستار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.