جريدة إلكترونية مغربية

في حانة «النجمة».. حكاية سهام وصمت الاكتئاب

محمد بلحاج

في يوم دافئ من أيام الدار البيضاء، دخلت إلى حانة «النجمة» المعروفة، لأجد المكان مزدحمًا حتى آخر كرسي. لم أجد مكانًا أجلس فيه، حتى أشار إليّ النادل بابتسامة عابرة: «تعال، اجلس هنا». جلستُ، وإذا بي إلى جانب سيدة تقترب من عقدها الرابع، ترتدي جلبابا محترما و منديلاً أنيقًا على رأسها، وتتحلى بابتسامة تنسيك تعب اليوم، ووجه هادئٍ يشعّ بدفءٍ غير متوقع. استأذنتُها قبل أن أشعل سيجارتي الإلكترونية، فردت بلسان رقيق: «لا مشكلة». كانت تلك الكلمات البسيطة مفتاحًا لحوارٍ قصير، لكنه ترك أثرًا عميقًا في نفسي. أنهيتُ جعتي السادسة، تبادلنا الأرقام، وغادرتُ وأنا أحمل في خاطري صورة لوجه لم أعرفه بعد، لكنه بدأ يسكن الذاكرة.

 

في اليوم التالي، رن هاتفي. كان صوتها هادئًا، ساحرًا، وكافيًا ليُعيدني إلى تلك اللحظة. تواعدنا، وتعرفتُ على «سهام»؛ سيدة تحمل في طياتها جمال المدينة ورقة البادية، هادئة الطباع، عميقة النظر. لكن القدر لم يشأ أن تسير الأمور بخط مستقيم. فحين اقترحتُ لقاءا آخر، تدخلت صديقتها، المختلفة عنها شكلا ومضمونا، وأصرت على الانضمام إلينا. في إحدى الأمسيات، ومع اقتراب الحانة من الإغلاق، طلبت سهام الإذن بالذهاب مع صديقتها وشابٍ كان برفقتها. رفضتُ في البداية، لكن دفء عناقها الأخير، وحنان نظراتها، أذابا ترددي. تنازلتُ، وودعتها، وأنا أركب سيارة الأجرة، بدأ الندم يتسلل إلى صدري.

 

في الأيام التالية، حاولت الاتصال بها، لكن الخط كان صامتً. بدأت أشك في أن صديقتها تلاعبت بالموقف، أو أن سهام وقعت في فخٍّ لم تره. انطويت على نفسي، صرت أتردد على الحانة يوميً، أبحث عن وجهها في كل زاوية، حتى الأماكن التي لم أكن أدخلها من قبل صارت ملاذًا لي. اختفت سهام أسبوعين كاملين، دون خبر أو أثر. كنتُ أظنّ أن القصة انتهت، وأن الذاكرة ستطوي الصفحة ببطء.

 

ثم، ذات مساء، رنّ الهاتف مجددًا. كان صوتها مختلفًا هذه المرة، يحمل ثقلًا، وعذرًا، ورغبةً في اللقاء. التقيت بها في «النجمة»، حيث تغيرت ملامح المكان مؤقتًا بغيابها، وعاتبها النادل والمسير بلهجةٍ تجمع بين القلق والعتاب اللطيف. حينها، كسرت سهام حاجز الصمت، وحكت لي عن معاناتها السنوية مع نوبات اكتئاب حادة، تجعلها تنعزل عن العالم، وتقطع كل الجسور، حتى مع من تحب. لم تكن هروبًا مني، بل هروبًا من ذاتها، من ذلك الثقل النفسي الذي يخنقها دون سابق إنذار.

 

فهمتُ حينها أن بعض الغيابات ليست خيانة، بل صراعٌ داخلي لا يُرى بالعين المجردة. سهام لم تخترع عذرًا، بل كشفت عن جرحٍ نفسيّ يعيده الزمن كل عام. تصالحت معها، لا لأنني تغاضيت عن الألم، بل لأنني أدركت أن الإنسان أحيانًا يحتاج إلى من يفهم صمته قبل أن يفسر غيابه. منذ ذلك اليوم، صرت أخشى انقطاع خبرها، لا لأنني أملكها، بل لأنني أدركت أن بعض الأرواح هشة، وأن الوجود المشترك معها نعمةٌ لا تقدر بثمن.

 

في نهاية المطاف، تعلمت أن الصداقة أو التعلق الإنساني الحقيقي لا يقاس بالبقاء الدائم، بل بالقدرة على الانتظار بفهم، والقبول بعيوب الإنسان دون حكم مسبق. فسهام، بوجهها الصبوح وقلبها النقي، علمتني أن أحيانًا أغلى ما نملك هو من يحتاج إلى مناخٍ آمنٍ ليعود فيه إلى نفسه، قبل أن يعود إلينا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.