جريدة إلكترونية مغربية

مركب “رع 2”: ملحمة عبور الأطلسي 

من قلب مدينة آسفي المغربية

تزخر الذاكرة الإنسانية بالعديد من المغامرات والرحلات الاستكشافية التي غيرت مجرى التاريخ وأعادت تشكيل فهمنا للحضارات القديمة. ومن بين هذه الملاحم، تبرز رحلة المركب “رع 2” (Ra II) كواحدة من أجرأ المحاولات العلمية لإثبات التواصل بين حضارات العالم القديم. انطلقت هذه الرحلة الاستثنائية من مدينة آسفي المغربية، لتسجل اسم المدينة بأحرف من ذهب في سجلات الملاحة البحرية والتاريخ الإنساني.

 

ثور هيردال: المستكشف الذي تحدى المستحيل

ثور هيردال (Thor Heyerdahl) هو عالم أنثروبولوجيا ورحالة ومغامر نرويجي، ولد في 6 أكتوبر 1914 في مدينة لارفيك بالنرويج، وتوفي في 18 أبريل 2002 [1]. تميز هيردال بخلفيته العلمية المتنوعة التي شملت علم الحيوان والنبات والجغرافيا، إلا أن شغفه الحقيقي كان منصباً على دراسة الأعراق وتاريخ انتقال الحضارات [2].

 

اكتسب هيردال شهرة عالمية بعد رحلته الشهيرة “كون تيكي” (Kon-Tiki) عام 1947، حيث قطع المحيط الهادئ على متن طوف خشبي بدائي لإثبات إمكانية هجرة سكان أمريكا الجنوبية إلى جزر البولينيزيا [1]. ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل سعى لإثبات نظرية أخرى أكثر جرأة: إمكانية تواصل الحضارات المتوسطية القديمة، وخاصة الحضارة المصرية القديمة، مع حضارات أمريكا الوسطى والجنوبية قبل آلاف السنين من اكتشاف كريستوفر كولومبوس للقارة الأمريكية [3].

 

المحاولة الأولى: قصة المركب “رع 1”

في سعيه لإثبات نظريته، قرر هيردال بناء قارب من ورق البردي يحاكي القوارب المصرية القديمة التي رُسمت على جدران المعابد. في عام 1969، قام ببناء المركب “رع 1” (Ra I) – تيمناً بإله الشمس عند الفراعنة – باستخدام البردي المحلي أمام الهرم الأكبر بالجيزة في مصر [4].

 

تم نقل المركب إلى ميناء آسفي بالمغرب، حيث انطلق في 25 مايو 1969 بطاقم دولي مكون من سبعة رجال. استمرت الرحلة لمدة ثمانية أسابيع قطع خلالها المركب حوالي 5000 كيلومتر. إلا أن التجربة واجهت تحديات كبيرة؛ فقد امتص البردي كميات كبيرة من المياه، وتعرضت دفة المركب للكسر، مما أجبر الطاقم على التخلي عن المركب على بُعد حوالي 160 كيلومتراً فقط من جزيرة باربادوس في البحر الكاريبي [1] [4]. ورغم عدم اكتمال الرحلة، اعتبر هيردال أن التجربة أثبتت قوة قوارب البردي وقدرتها على تحمل أمواج المحيط.

 

“رع 2”: البناء في حاضرة المحيط آسفي

لم يثنِ الفشل الأولي عزيمة هيردال. في عام 1970، قرر إعادة المحاولة بمركب جديد أطلق عليه اسم “رع 2” (Ra II). هذه المرة، اختار هيردال الاستعانة بحرفيين من قبائل الأيمارا (Aymara) من بحيرة تيتيكاكا الواقعة بين بيرو وبوليفيا، وهم ديميتريو وخوان وخوسيه ليماتشي، بالإضافة إلى بولينو إستيبان [5]. كان هؤلاء الحرفيون يمتلكون مهارات متوارثة في بناء القوارب من قصب التوتورا، وهي تقنية تشبه إلى حد كبير تلك المستخدمة في مصر القديمة [6].

 

تفاصيل البناء والمواد المستخدمة

استغرقت عملية بناء المركب ستة أسابيع في ورشة بمدينة آسفي. تم استيراد 12 طناً من سيقان نبات البردي من بحيرة تانا في إثيوبيا، منبع النيل الأزرق [7]. قام الحرفيون الأيمارا باختيار أفضل السيقان وجمعوها في حزمتين كبيرتين أسطوانيتين، تم ربطهما بإحكام بحبال متينة لتشكيل هيكل المركب. تميز “رع 2” بأنه أقصر من سلفه، لكنه كان أقوى بكثير وأكثر متانة في تصميمه [4].

 

اكتمل بناء المركب في 5 مايو 1970. ووفقاً للتقاليد المحلية في آسفي، تم إطلاق المركب بعد رشه بحليب الماعز، ورُفع عليه علم الأمم المتحدة ليرمز إلى التنوع الدولي لطاقمه [7]. تُرك المركب في مياه الميناء لمدة عشرة أيام ليتشبع البردي بالماء ويتمدد، مما يزيد من تماسك الحزم ويمنع تسرب المياه [7].

 

لماذا آسفي؟

لم يكن اختيار مدينة آسفي عشوائياً. تُعد آسفي، التي تُلقب بـ “حاضرة المحيط”، واحدة من أعرق المدن المغربية وأقدم ميناء إفريقي على الساحل الأطلسي [8]. استوطنها الفينيقيون والقرطاجيون الذين أطلقوا عليها اسم “آسفي” (Asfi)، وكانت نقطة انطلاق رئيسية للسفن التجارية في العصور القديمة [9]. اختار هيردال آسفي لأنها تقع على مسار “تيار كناري” (Canary Current) البحري، وهو نفس المسار الذي يُعتقد أن الملاحين القدماء استخدموه للعبور نحو الغرب [1].

 

رحلة العبور: طاقم دولي ورسالة سلام

في صباح يوم 17 مايو 1970، وفي تمام الساعة 8:20، انطلق المركب “رع 2” من ميناء آسفي وسط حضور جماهيري حاشد قُدر بحوالي 70% من سكان المدينة [7].

 

ضم الطاقم ثمانية رجال من خلفيات وثقافات وديانات مختلفة، وهم:

 

• ثور هيردال (النرويج) – قائد الرحلة

• نورمان بيكر (الولايات المتحدة) – ملاح

• كارلو ماوري (إيطاليا) – مصور

• يوري سينكيفيتش (الاتحاد السوفييتي) – طبيب

• سانتياغو جينوفيس (المكسيك) – أمين الصندوق

• كي أوهارا (اليابان) – مصور سينمائي

• جورج سوريال (مصر) – خبير غوص

• المدني آيت أوهاني (المغرب) – مسؤول الإمدادات [1] [7].

 

كانت الرحلة محاكاة دقيقة لظروف الملاحة القديمة. تم تخزين المياه في قرب من جلد الماعز، وحُفظت المؤن في جرات خزفية. شملت المؤن اللوز، الخبز الصلب، الزبيب، التمر، السمك المجفف، واللحم المملح (القديد) [7].

 

واجه الطاقم تحديات جمة، بدءاً من انعدام الرياح لأيام متتالية، وصولاً إلى عواصف عاتية أدت إلى كسر دفتي المركب [7]. كما وثق الطاقم، وبخاصة المغربي المدني آيت أوهاني، تلوث المحيط الأطلسي بكريات الوقود الصلبة، مما ساهم في رفع الوعي البيئي العالمي آنذاك [10].

 

النجاح والأهمية العلمية

بعد 57 يوماً من الإبحار، وقطع مسافة تبلغ حوالي 6100 كيلومتر (3270 ميلاً بحرياً)، وصل المركب “رع 2” بنجاح إلى جزيرة باربادوس في 12 يوليو 1970 [4]. حظي الطاقم باستقبال رسمي وشعبي حافل، واحتفل العالم بهذا الإنجاز غير المسبوق.

 

تكمن الأهمية العلمية لهذه الرحلة في إثباتها العملي لإمكانية قيام الملاحين القدماء بعبور المحيط الأطلسي باستخدام قوارب البردي والتيارات البحرية [1]. دحض هذا النجاح الاعتقاد السائد باستحالة التواصل بين حضارات حوض البحر الأبيض المتوسط وحضارات أمريكا الوسطى والجنوبية قبل رحلات كولومبوس، مما فتح آفاقاً جديدة في دراسة التاريخ والأنثروبولوجيا [3].

 

الذاكرة الجماعية والأثر الثقافي في آسفي

ترك هذا الحدث التاريخي بصمة لا تُمحى في ذاكرة مدينة آسفي. أصبح المركب “رع 2” رمزاً للتراث البحري العريق للمدينة ولانفتاحها على العالم.

 

في عام 2020، احتفل العالم والمغرب بالذكرى الخمسين لانطلاق الرحلة. نظمت السفارة النرويجية في المغرب معرضاً متنقلاً، وأصدر بريد المغرب طوابع بريدية تذكارية تخليداً لهذه المناسبة [11]. كما تم تجديد مجسم مصغر للمركب في مدينة آسفي ليبقى شاهداً على هذا الحدث [12].

 

أما الطاقم، فقد نال تكريماً دولياً واسعاً. استقبل الملك الراحل الحسن الثاني البطل المغربي المدني آيت أوهاني، الذي كان يدير فندقاً في آسفي، ووشحه بوسام ملكي تقديراً لمشاركته البطولية [10]. وقد رحل آيت أوهاني عن عالمنا في أكتوبر 2024، ليكون آخر من يغادرنا من هذا الطاقم الأسطوري [13].

 

اليوم، يستقر المركب الأصلي “رع 2” في متحف كون تيكي (Kon-Tiki Museum) بالعاصمة النرويجية أوسلو، شاهداً على قوة الإرادة الإنسانية [4]. وفي آسفي، يستمر المتحف الوطني للخزف والمعالم التاريخية الأخرى في سرد حكايات مدينة كانت وما زالت بوابة للتواصل الحضاري [14].

 

خاتمة

لم تكن رحلة “رع 2” مجرد مغامرة علمية لإثبات نظرية تاريخية، بل كانت رسالة سلام وتعايش بين شعوب العالم. أثبت الطاقم المتعدد الجنسيات والديانات أن التعاون الإنساني قادر على قهر أمواج المحيط العاتية. وستظل مدينة آسفي تفخر بأنها كانت نقطة الانطلاق لهذه الملحمة التي ربطت بين حضارات الماضي وألهمت أجيال المستقبل. ا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.