المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يدعو إلى إطلاق مشروع وطني للنهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية
الرباط، 10 يونيو 2026 – نظم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بمقره بالرباط، لقاءً تواصلياً خُصص لتقديم مخرجات رأيه حول موضوع “السلوك المدني في الفضاءات العمومية: نحو ترسيخ قيم المواطنة في خدمة التنمية المستدامة”.
وشكل هذا اللقاء مناسبة لتسليط الضوء على أهمية السلوك المدني باعتباره رافعة أساسية لتعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ الثقة الجماعية وتحسين جودة العيش المشترك، فضلاً عن عرض أبرز خلاصات هذا الرأي وتوصياته الرامية إلى النهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية، من خلال تعزيز التربية على المواطنة، وترسيخ مبدأ مثالية التدبير، وضمان احترام القواعد المنظمة للفضاء العمومي، بما يسهم في إعادة الاعتبار لهذا الفضاء باعتباره ملكاً مشتركاً لتجسيد المواطنة المسؤولة كركيزة أساسية من ركائز التنمية المستدامة.
رأي المجلس
السلوك المدني في الفضاءات العمومية: نحو ترسيخ قيم المواطنة في خدمة التنمية المستدامة
الاطلاع على الرأي
وفي كلمته بالمناسبة، أكد السيد عبد القادر أعمارة، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن الفضاء العمومي يشكل إطاراً مشتركاً للعيش يتقاسمه المواطنات والمواطنون، وتتجسد داخله التفاعلات الاجتماعية والممارسات اليومية للحياة الجماعية، مبرزا أن السلوكيات المدنية تتجلى من خلال تلازم الحقوق والواجبات الفردية والجماعية، واحترام القواعد المشتركة في استعمالات هذه الفضاءات، فضلاً عن التشبث بقيم المواطنة الفاعلة.
كما أضاف السيد رئيس المجلس أن المغرب يتوفر على موروث حضاري متجذر من الفضائل الدينية والقيم السامية التي تُعْلي مِنْ شأن التضامن والاحترام المتبادل والصالح العام. وقد تجسّد هذا الموروث في محطات عديدة من تاريخ المغرب، ولا يزال يتجلى إلى اليوم، لا سيما من خلال حملات التضامن والتعبئة المواطِنة في مواجهة الأزمات، بما يعكس قدرة قوية على الالتزام الجماعي، والتماسك الاجتماعي، وحس المسؤولية، والسلوك المدني.
غير أن الوقوف على واقع حال الفضاء العمومي يُبرز، في عدد من الحالات، استمرار بعض مظاهر السلوك غير المدني، من خلال ممارسات لا تنسجم مع هذا الرصيد القيمي، ولا مع متطلبات التساكن الاجتماعي والعيش المشترك. وتتخذ هذه السلوكات أشكالاً متعددة، تشمل الإخلال بالنظافة العامة، وإتلاف التجهيزات العمومية، فضلاً عن بعض السلوكات الخطيرة أحيانا في استعمال الطريق، بما يعكس تفاوتاً في مستويات تملُّك قواعد التعايش والسلامة.
في ضوء هذه المعطيات، تم إطلاق مجموعة من المبادرات العمومية بهدف تعزيز ترسيخ السلوك المدني، من خلال تعبئة المنظومة التربوية ووسائل الإعلام العمومية، إلى جانب آليات للتوعية الدينية والمواطنة، وكذا برامج لإعادة الإدماج.
غير أن هذه التدخلات العمومية، التي تظل في الغالب ذات طابع قطاعي وغير منسق، لا تساهم على الوجه الأمثل في ترسيخ مستدام للسلوكات المدنية كما يقتضيها الحس السليم والالتزام المُواطن، وهو ما يستدعي فهماً أعمق للمحددات البنيوية للسلوكات غير المدنية. وتعكس هذه المحددات تحولات متسارعة في مسارات التنشئة الاجتماعية، التي باتت تتسم بتعدد مصادر التأثير، ولا سيما تلك المرتبطة بالفضاء الرقمي، بما يسهم في إعادة تشكيل المرجعيات وأنماط السلوك الفردي والجماعي. كما ترتبط أيضاً بأشكال الهشاشة الاجتماعية والمجالية، لا سيما التفاوتات في الولوج إلى الخدمات وفرص الإدماج الاجتماعي. ويُضاف إلى ذلك عوامل مؤسساتية تتصل بمدى تفعيل القواعد المعيارية المشتركة، وكذا بفعالية آليات تدبير القرب.
واستناداً إلى الخلاصات المنبثقة عن جلسات الإنصات لمختلف الأطراف المعنية ونتائج البحث الميداني الذي أنجزه المجلس، أكد رئيس المجلس أن الغاية تتمثل في إعادة الاعتبار للفضاء العمومي باعتباره ملكاً مشتركاً، عبر تحسين جودته وتيسير الولوج إليه، والارتقاء باستعمالاته، بما يجعله إطارا محفِّزا لترسيخ السلوكات المدنية بشكل مستدام. كما اعتبر أن نهائيات كأس العالم 2030، التي ستنظمها المملكة المغربية بشكل مشترك مع كل من إسبانيا والبرتغال، تمثل فرصة سانحة لتسريع هذا المسار، عبر جعل السلوك المدني عنصراً أساسياً ضمن التحضيرات الوطنية لهذا الحدث الدولي الهام.
ويرى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن ترسيخ السلوك المدني في الفضاءات العمومية وينبغي أن يرتكز على ثلاث رافعات مترابطة بشكل وثيق: 1) تعزيز التربية على المواطنة وترسيخ حس المسؤولية لدى المواطنات والمواطنين؛ 2) توطيد مبدأ “القدوة الحسنة” في التدبير لدى المؤسسات والفاعلين العموميين والخواص؛ 3) تعزيز التطبيق الصارم للقواعد المنظمة للفضاءات العمومية.
من جانبه، استعرض مقرر الموضوع، السيد عبد الصادق السعيدي، أبرز التوصيات التي يقترحها المجلس، والتي تشمل، على الخصوص:
إطلاق مشروع وطني شامل للنهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية، يرتكز على ميثاق وطني يحدد قواعد السلوك في الفضاءات العمومية، ويعتمد مقاربة تشاركية تشمل مختلف الأطراف المعنية، مع الحرص على تنزيله على المستويين الوطني والترابي.
دراسة إمكانية توسيع نطاق تدخل مؤسسة “المغرب 2030” لتساهم في تنزيل المشروع الوطني المقترح، بمعية مختلف الفاعلين والشركاء المعنيين، لا سيما المجتمع المدني، للنهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية، باعتباره محوراً رئيسياً في التحضيرات لكأس العالم 2030.
ضمان التفعيل الصارم، ووفق مساطر مبسطة، للمقتضيات الزجرية المتعلقة بالمخالفات والجنح التي تمس بالنظام العام والسكينة العمومية، مع الحرص على إعمال مقتضيات قانون العقوبات البديلة.
إرساء إطار معياري موحد للعقوبات الإدارية المرتبطة بالإخلال بالسلوك المدني في الفضاء العمومي، يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجهوية، وتدرج ضمنه بدائل تربوية وإصلاحية بديلة، مثل الأشغال ذات المنفعة العامة أو الدورات التكوينية.
إعداد وتنفيذ مدونة وطنية للسلوك المدني في المرافق العمومية، في انسجام مع مقتضيات القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية. على أن تهدف هذه المدونة إلى تحديد مسؤوليات الموظف العمومي والمرتفق في علاقتهما بالمرفق العمومي والحفاظ عليه، وتحديد معايير الجودة في استقبال المرتفقين ومعاملتهم وتقديم الخدمات لهم، مع الحرص على أن تتحمل المرافق العمومية مسؤولية أساسية في إعمال مبدأ “القدوة الحسنة” السلوك المدني، من خلال التزام المسؤولين والموظفين بممارسات نموذجية تعكس روح القانون ومقتضياته ومعايير الحكامة الجيدة.
إدراج أنشطة تربوية، بشكل صريح وواضح، ضمن الإطار المرجعي للمنهاج والبرامج والمقررات الدراسية، ابتداءً من مرحلة التعليم الأولي وعلى امتداد مختلف مكونات ومستويات منظومة التربية والتكوين، بهدف تنمية السلوكيات المدنية وتعزيز التملك التدريجي للقيم التي تقوم عليها، مع ضمان تفعيلها بشكل فعلي من خلال مقاربات بيداغوجية ملائمة، ولا سيما عبر تعزيز الأنشطة الموازية.
هذا، وقد تناول المجلس، في إطار إضاءة خاصة، موضوع السلوك المدني خلال التظاهرات الرياضية الوطنية والدولية لما لها من أهمية خاصة، حيث أوصى بتعزيز السلوكيات المواطنة داخل الفضاءات الرياضية بما يضمن تنظيم عروض رياضية آمنة ودامجة وذات جودة، ويجعل من الرياضة رافعة لتوطيد التماسك الاجتماعي وتعزيز إشعاع المملكة. وفي هذا الإطار، يقترح المجلس مجموعة من التوصيات الرامية إلى ترسيخ قيم الاحترام والروح الرياضية والعيش المشترك لدى مختلف فئات الجمهور، وتقوية آليات الوقاية والوساطة داخل الملاعب وفي محيطها، فضلاً عن تعزيز الارتقاء بمستويات السلامة والولوجية وتحسين تهيئة وتدبير البنيات التحتية الرياضية، وتوظيف الأدوات الرقمية من أجل استباق المخاطر، وتحسين تدبير تدفقات الجماهير، وتعزيز شروط أمن وسلامة التظاهرات الرياضية