جريدة إلكترونية مغربية

ملف طوارئ مؤجل

في جمهورية عَجَبْ السعيدة، لا يملك الموت رفاهية المفاجأة، بل عليه أن يحترم طابور الانتظار كأي مواطن صالح ينتظر دورا خلف شبابيك المقاطعات الحكومية.

كانت ليلة عيد الأضحى؛ الليلة التي تتحول فيها المدينة إلى ورشة عمل صاخبة لتقييم جودة القرون، وتحديد نسبة الشحوم، وتبادل وصفات التوابل. في وسط هذا الهرج، قرر رجل في الأربعين من عمره أن يفسد البهجة العامة، فاختار التوقيت الخاطئ تماما ليموت بصمت، دون إشعار مسبق ودون مراعاة لجدول أعمال السلطات المنشغلة بالتحضير للمجزرة السنوية الكبرى للأكباش.

تعمدت عجب أن تجعل مسافة الطريق ممتدة ومملة، مهلة كافية لنرقب مؤشر الوقود وهو يقترب من الصفر، تماما كحياة الرجل التي انطفأت دون إذن. عند وصولنا، كان المشهد يفيض بغرابة مسرحية: رجال الشرطة يقفون بكبرياء رسمي يطرد النعاس، ورجال الوقاية المدنية حزموا معداتهم وغادروا بعد أن تأكدوا أن الضحية استغنى عن خدماتهم المستعجلة إلى الأبد، بينما تشكلت حلقة من الأطفال يقضمون أظافرهم بفضول، يتبادلون النظرات بين عيني الرجل المفتوحتين وصور الأكباش المستلقية في أحواش بيوتهم.

على الرصيف المجاور، سارع الجيران إلى إطلاق قذائف الأحكام الجاهزة لترميم جدار احتفالهم الذي خدشه هذا الغياب المفاجئ:

– لقد كان مجنونا.. يبتلع الأدوية النفسية كأنها مكسرات!

– مؤكد أنه انتحر بعد أن عجز عن شراء كبش لزوجته.. المظاهر أمام الناس أهم من روحه!

وفي المنتصف، رقد الجسد باردا، معلقا في برزخ البيروقراطية؛ لم يعد كائنا حيا، ولم يصبح بعد مجرد حبر جاف في تقرير ينظر فيه لاحقا. برزت من جيب معطفه الرخيص ورقة مجعدة تظهر أسعار الفحم، كشاهد وحيد على خططه التي أفسدها توقف قلبه.

لم يكن الموت هو الأزمة، بل الفقيه.. سائق سيارة نقل الموتى الذي اعتذر بنبرة هاتفية تقطر دسما، لأن موعده المصيري مع جزار الحي لتأمين ذبح وسلخ أضحية عائلته لا يقبل التأجيل. في عجب، كانت موازين الاستعجال واضحة؛ دماء الأكباش تنتظر السكاكين المصقولة، وجثة الرجل تنتظر شفقة الأوراق، وظل الراحل مؤجلا لأن الفقيه فضل اللحم المشوي على إكرام الميت بدفنه.

مر الوقت ببطء يشبه معاملات التقاعد. وأخيرا، تحرك الركود بوصول اللجنة الثلاثية لإنقاذ الموقف: رئيس الدائرة رشيد ببدلته التي تفوح منها رائحة العطر و التبغ، وناصر ممثلا لمسرح الجريمة، وابن أخ الهالك الذي بدا كمن استدعي على عجل لتسلم طرد بريدي ثقيل الوزن ومجهول المصدر. حملوا معا ما تبقى من ذلك الإنسان الذي تحول إلى عبء ثقيل في ليلة العيد، ومضوا بلا مشاهد بطولية، بل بثقل صمت مدينة تمشي في جنازة ضحاياها وهي تبتسم وتلتقط الصور.

وقفت هناك، أراقب الخيط الخفي الذي يحرك دموع هذه المسرحية اليومية في عجب. في زاوية من زوايا ذلك المكان الموحش، اقترب مني شرطي شاب، بدا لطيفا لكن ملامحه كانت مشوشة تحت كشافات الموقف.

– هل تعتقدين أن الفن قد يغير شيئا هنا؟

سألني فجأة وهو يثبت قبعته، والروح لم تبتعد بعد عن الجسد الملقى.

– ربما.. مسرحية ممتازة قد تؤجل الانهيار الداخلي لمواطن مكسور لليلة إضافية.

أجبته وعيناي على الحذاء المثقوب للجثة.

 

زفر الشرطي بضيق ونظر إلى ساعته:

– لو كان هذا الراحل يشاهد الكوميديا.. ربما ما احتجنا لانتظار تأشيرة البلدية في هذه الساعة.

كان المشهد سرياليا بامتياز؛ نناقش علم النفس والمسرح أمام جثة تؤجلها البيروقراطية، في مجتمع يملك برودا قاتلا في ليلة يفترض أنها تفيض بالرحمة. لكن الغرابة هنا هي القانون؛ العلاج مؤجل، والعدالة مؤجلة، والفهم مؤجل، وحتى الموت يتطلب توقيعا مصادقا عليه من المقاطعة.

حين غادرت، كانت الأضواء الزرقاء لسيارات الشرطة ترقص فوق الجدران المتهالكة كأضواء حفلة بائسة انتهت قبل أن تبدأ. الموتى في مدينتنا لا يغلقون ملفاتهم سريعا، ربما لأن البلدية لم تدفع مستحقات الكفن بعد.

في تلك اللحظة، أدركت الحقيقة كاملة: أنا لم أكن أحقق في واقعة وفاة رجل عابر.. كنت ببساطة أشرح جثة مدينة كاملة ماتت وشبعت موتا منذ سنوات، لكنها تؤجل إعلان وفاتها رسميا إلى ما بعد أيام العيد، تجنبا لإفساد العطلة الرسمية للموظفين.

تراجعت الأضواء خلفي، وعادت عجب إلى صمتها المعتاد بانتظار تكبيرات الصباح، بينما تجمعت كل التساؤلات لتقيد ضد مجهول، وتوضع في أرشيف المنسيات تحت عنوان:

– ملف طوارئ مؤجل.

للطيفة بنعاشير .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.