جريدة إلكترونية مغربية

سعيد لقبي: حلوة غراف Guigoz.. لا شيء يضيع، كل شيء يتحول

هناك أشياء تروي عصرًا بأكمله أفضل من رواية كاملة. راديو بصمامات، محفظة جلدية… وفي قمة هذا المتحف المتخيَّل، بالنسبة لأجيال من أطفال المغرب في السبعينيات: مجرد غراف معدني لحليب Guigoz. بسيط؟ يا له من سذاجة لطيفة: هذا الغراف عرف عندنا مسيرة ما كان مخترعه ليجرؤ على تخيلها.

لنُرجع إلى قيصر — عفوًا، إلى موريس — ما يستحقه. في سنة 1908، أسّس موريس Guigoz الشركة التي حملت اسمه، وابتكر حليبًا للرضّع يُستخرج بالتجفيف عند درجة حرارة منخفضة تحت التفريغ،UHT.

كان صانعًا بارعًا، فكّر في الحليب، وفي الرضيع، وفي الحفظ، وفي متانة الغطاء. كان يظن أنه يصنع وعاءً للرضّع؛ فإذا به يصنع، دون أن يدري، أغرب أداة حلويات عرفها المغرب في القرن العشرين. فحين ينفد الحليب، لم يكن الغراف يموت: كان يغيّر مهنته، بأثر فوري ودون تعويض.

ولنستحضر هنا Antoine Lavoisier، صاحب المقولة: «لا شيء يضيع، لا شيء يُخلق، كل شيء يتحول.» أمهاتنا، اللواتي لم يفتحن يومًا كتابًا في الكيمياء، كنّ يطبّقن هذا القانون بدقة يحسدهن عليها أي مختبر.

في البيوت المغربية في الستينيات والسبعينيات، لم تكن سلة المهملات المصير الطبيعي لأي شيء أدّى مهمته. كانت العبوة الفارغة تطرح فورًا السؤال الذي كان يصلح شعارًا وطنيًا: «شنو نديرو بهاد الحاجة؟» وكنّا نجد دائمًا حلاً: علبة المربى تعود كأس شاي، وعلبة البسكويت تستقبل أدوات الخياطة. أما غراف Guigoz المهيب، فكان يدخل المطبخ — لا كزينة، بل كأداة عمل.

شكله الطويل الضيق جعل منه وعاءً مثاليًا لطهي حلوى ستنتهي، في بعض العائلات، بحمل اسم أداة صنعها الغريبة نفسها: حلوة Guigoz. الغراف، المحفوظ بعناية، كان يتحول إلى وعاء عميق تُغمس فيه العجينة في الزيت المغلي؛ فتنتفخ وتتفتّح كزهرة ذهبية، قبل أن تُصفّى ثم تُرشّ بسخاء بسكر .

بالنسبة لنا، كان كل هذا أقل علمية بكثير: كنا ننتظر، وهذه كانت مساهمتنا الوحيدة في الوصفة، نأخذها بجدية تامة. كنا نتجمّع حول المطبخ، نراقب هذا الغراف المسوَدّ كما يراقب المرء خزنة يعرف شفرتها. تُغمس العجينة، فيدوّي فحيح منتصر، تنتفخ، وتنقلب من تلقاء نفسها. ثم يأتي سكر النفخ، بسخاء يقارب الفضيحة.

لم يكن أحد يصوّر الحلوى قبل أكلها: كنا جائعين، هذا كل ما في الأمر. لم يكن أحد يسأل «هل هي عضوية؟» ولا «كم عدد السعرات؟». كانت خبرتنا الغذائية تختصر في سؤال واحد، يُطرح بثقة مفاوض محترف: «نقدر ناخد وحدة أخرى؟» فيأتي الجواب الأمومي، ثابتًا لا يتغير: «صبر حتى ياكلو الباقيين!» أول درس في العدالة التوزيعية. كنا نجهل الـcheesecake والـbrownie والـcupcake. كان لدينا حلوة Guigoz، وكان ذلك يكفي تمامًا لسعادتنا.

الأطرف، بالنظرة الاسترجاعية، أننا كنا في قلب économie circulaire رائعة، دون أن نشتبه يومًا في اسمها. اليوم، تُنظَّم ندوات عن الـrecyclage؛ وكانت أم مغربية تحسم الأمر بأربع كلمات، بلا مستشار: «ما ترميش الغراف.» سياسة بيئية كاملة، بميزانية معدومة، كانت تكمن في هذه الجملة.

وويل لمن تجرأ على رمي شيء قابل لإعادة الاستعمال! كان عليه أن يمثل أمام محكمة منزلية أرهب من أي محكمة دولية: «علاش رميتيه؟» سؤال لم يجد له أحد يومًا جوابًا مقنعًا — لأن الشيء كانت له قيمة تفوق ثمن شرائه: كان يحمل إمكانية، وعندنا، الإمكانية لا تُرمى.

يبقى غراف Guigoz المثال الأمثل: وُلد في الصناعة الغذائية السويسرية، عبر البحر الأبيض المتوسط، أطعم رضيعًا، ثم، بدل أن يختفي، غُسل وأُعيد ابتكاره. انتهى الوعاء إلى أن يعيش أطول بكثير من محتواه. وأحيانًا، كان الغراف نفسه الذي أطعم رضيع العائلة يُستخدم، بعد سنوات، لتحضير حلوى إخوته وأخواته، دون أن يعلم رضيع الأمس بذلك.

موريس Guigoz اخترع حليبًا للرضّع؛ والمرأة المغربية اخترعت الحياة الثانية للعبوة — دون براءة اختراع، ودون تقدير يُذكر.

كنا نملك أقل، وكانت المطابخ أقل تجهيزًا. لكن الأشياء كانت متعددة الاستعمالات: كانت تشيخ معنا، تحمل آثارًا وذاكرة. وعندما تختفي الملصقة الأصلية، كان الجميع يواصل القول: «عطيني غراف Guigoz.» أصبحت العلامة التجارية اسمًا شائعًا، ثم منح الوعاء اسمه للحلوى نفسها: رجل يمنح اسمه لشركة، والشركة لحليب، والحليب لغراف، والغراف لأداة، والأداة لأجمل حلاوة في طفولتنا.

اليوم، حين أصادف واحدًا من هذه الغرافات المعدنية القديمة، لم أعد أرى مجرد عبوة. أسمع فحيح الزيت، أرى من جديد الأيدي التي كانت تمدّ العجينة، وأكاد أتذوق سكر النفخ المتطاير فوق الطاولة.

عزيزي السيد Guigoz، أنت الذي أسّست شركتك سنة 1908 بكل الجدية الممكنة، كنت بعيدًا كل البعد عن تخيل كل هذا: أن اسمك سيدخل يومًا، في المغرب، مطابخنا ومفرداتنا وأعز ذكرياتنا.

كان Lavoisier محقًا: لا شيء يضيع، كل شيء يتحول. ونحن، بخفة ودّية تميّزنا، أضفنا ببساطة تعديلًا غير رسمي لكنه معتمد بالإجماع: لا شيء يُرمى، كل شيء يمكن أن يفيد. وأحيانًا، بقليل من الدقيق، وكثير من الزيت، وغراف حليب سويسري حُرِف عن وجهته الأصلية، وطبقة سخية من سكر النفخ… يمكن لكل شيء أن يصير حلوى. ونحن معه.

وبينما تُصمَّم اليوم أجهزتنا الذكية وغسالاتنا وهواتفنا لتتعطل بدقة متناهية بُعيد انتهاء الضمان — فنٌّ حديث أطلقوا عليه، بكل الجدية اللازمة، اسم l’obsolescence programmée — فإن غراف Guigoz لم يتلقَّ يومًا هذه المذكرة. لا شريحة إلكترونية تعطبت في موعدها، لا قطعة غيار طُلبت، ولا نية واحدة بالتقاعد. عنيد، صامد، شبه خالد — عيبه الوحيد، في نهاية المطاف، أنه لم يُصمَّم أصلًا ليموت.

سعيد لقبي، باحث استاذ جامعي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.