جريدة إلكترونية مغربية

حرفة “الكراب”.. داستها عجلات التطور وتعيش أيامها الأخيرة

عبد الله النملي

حاجة الإنسان للماء كانت دافعا نحو اتجاه العديد من الناس إلى مزاولة حِرف بعينها، كان من بينها السقاء أو “الكراب” باللفظ المغربي الدارج، نسبة إلى قربة الجلد التي يحملها، غير أن المصادر التاريخية، تكشف صعوبة كتابة تاريخ حِرفي اسمه “الكراب” هَمّشه المؤرخون في اختياراتهم. و”الكراب” تختلف أسماؤه، غير أن صفته واحدة، فهو الشخص الذي بقي مُتشبثا بحرفة أصبحت في خبر كان، يَسْقي العَطشى ويُبرد الحلوق الظّمأى. لا يفرض تسعيرة معينة، بل يقبل بما يجود به الناس عليه، وكأن عمله الصيفي تتمة للوحة صيفية لن تكتمل إلا بوجوده.

حين يشتد الحر يقصده الناس لإرواء عطشهم والاستمتاع بالنظر إلى ملابسه المميزة، التي لم تتغير مُنذ عقود طويلة من الزمن، أو أخذ صور فوتوغرافية تُوثِّق رحلتهم وأيامهم الجميلة التي استمتعوا بقضائها في المغرب. وهو وجه مألوف ورمز من رموز الفولكلور المغربي وحسن الضيافة، حتى أصبح علامة مُسجلة ترمز إلى السياحة المغربية إلى جانب معالم المغرب الشهيرة، كجامع الفنا والكسكس والطاجين المغربي.

كانت مهنة “الكراب” من ضرورات الحياة المغربية، فقد كان صاحب هيبة في محيطه. فالكل يحترمه ويجل خدماته المائية. كما رسم بريشة فنانين كبار، وصوره مطبوعة كذلك على ملصقات المغرب السياحية الإعلانية، وفي ردهات الفنادق السياحية الكبرى، قبل أن تنافسه المياه المعدنية المُعَلّبة، ليستغني الزبون عن خدمة الكؤوس النحاسية، ويستبدلها بالكؤوس البلاستيكية، ويعوض خدمات “الكراب” بخدمة سريعة لآلة أو بائع متجول، مُستغنيا عن ناقوس إعلان “الكراب”، بلافتات الدكاكين المنتشرة على مد البصر. وبذلك فقد “الكراب” دورا أساسيا التصق به منذ القديم، وخاصة بعد ربط المنازل بشبكة توزيع الماء. وبات عمله مرادفا للفقر والتهميش. كما أمسى ماؤه غير مرغوب فيه من طرف الذين يتحرون جودة المياه التي يشربونها. وهو ما جعله مجرد كائن من التراث اللامادي بالمغرب. وحضوره اليوم، يقتصر فقط على الملصقات والإعلانات السياحية. وأصبحت مهنة “الكراب” جزءا من الماضي، تعيش أيامها الأخيرة، بعدما داستها عجلات التطور، وانتهى عمرها الافتراضي.

زبناء “الكراب” في الماضي كانوا من النساء الحوامل، لكنهن اليوم يتخوفن من الأمراض المنقولة، ويتوحمن على الحلويات والشوكولاته، وحدهن بعض النساء المسنات، هن من لازلن يقبلن على ماء “الكراب”، وكذلك الأطفال الصغار الذين ما إن يسمعون جرس “الكراب” حتى يتسابقون مطالبين بشربة ماء تروي عطشهم.

أصبحت الحِرفة التقليدية الموغلة في القدم، تنحو نحو الزوال، لقلة الإقبال عليها، وتراجع نقط التزود بالماء، حيث تحول أغلب “الكرابة” إلى متسولين يمدون أيديهم طلبا للصدقة. كما أن بعضهم ما عادوا يحملون ماء في قِرَبِهم، ويكتفون بلباسهم التقليدي كنوع من الديكور اليومي، يتهافت عليهم أصحاب الصور التذكارية، ويؤثثون فضاءات الفنادق وأعراس كِبار القوم، بعد أن أصبح الماء يصل البيوت نظيفا، ويحمله الجميع مُعَبّأ في قوارير باردة ونظيفة، ودون مخاطر صحية.

وقد أبدى الكثير من “الكرابة” حسرة كبيرة، لما أصبح يتعرضون له من سخرية، حينما يطلق بعض الناس لقب “الكراب” على بائعي الخمور. وفي ذلك ظلم كبير لهذه المهنة الشريفة. فشتان بين يروي العطشى بالماء البارد بالمقابل أو بدونه، ومن يبيع الخمور المحرمة للمسلمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.