في واجب التضامن مع محمد الفايد
بقلم : سعيد ناشد
لست معنيًّا هنا بالحكم على ما كتبه الدكتور محمد الفايد صوابًا أو خطأً؛ فذاك شأن يُناقَش بالحجة والدليل بين أهل النظر. لكنني معنيٌّ، كلَّ العناية، بالدفاع عن حقه في أن يتساءل دون أن يتحول تساؤله إلى تهمة، والتهمة إلى فتوى، والفتوى إلى استباحة دم.
ثم إن المسألة التي أثارها ليست بدعة طارئة ولا شذوذًا عن الملة، بل هي مسألة خلافية قديمة قِدَمَ علوم القرآن نفسها. فالقرآن الكريم حين يذكر «الأميين» لا يعني بهم من لا يقرأ ولا يكتب، بل يعني غير الكتابيين، أي الذين لم يُنزَّل عليهم كتاب من قبل، في مقابل أهل الكتاب: «وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم»، «هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم». فالأمية هنا صفة حضارية دينية تخص أمة بكاملها، لا نقصٌ فرديٌّ في مهارة القراءة والكتابة. بل ذهب بعض المجتهدين إلى أن «الأمي» نسبةٌ إلى «أم القرى»، أي مكة. ولهذا كله اختلف علماء القرآن القدماء أنفسهم في المسألة، حتى إن الإمام أبا الوليد الباجي، فقيه المالكية في الأندلس، ذهب في القرن الخامس الهجري إلى أن النبي كتب اسمه يوم الحديبية، فقامت عليه القيامة وشُتم على المنابر، ثم انتصر له كبار علماء عصره. فهل نَعدم اليوم، بعد ألف سنة، سعة الصدر التي وجدها الباجي في زمانه؟
أقول هذا لبيان أمر بسيط: نحن أمام اجتهاد في مسألة اختلف فيها الأقدمون قبل المحدثين، لا أمام إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة. ومع ذلك تدحرجت كرة الثلج بسرعة قياسية: من تدوينة تساجل الرأي بالرأي، إلى تشكيك في الإيمان، إلى «كفر بواح»، إلى مطالبات بالمحاكمة، إلى شيوخ يستبيحون الدم، بل إن بعضهم يرفض حتى الاستتابة.
وقد يقول قائل: فتاوى التكفير عبارات إنشائية لا تكترث بها الشعوب. وهذا صحيح في الغالب. لكن المعضلة ليست في الشعوب، بل في أن لهؤلاء الشيوخ أتباعًا (بعضهم من ضحايا الهدر المدرسي) يعتبرون الفتوى تكليفًا شرعيًّا جديرًا بالتنافس، وسباقًا إلى «الطاعة» لا يحتاج فيه أحدُهم إلا إلى يقينٍ مشوَّش وسكين حاد. لقد رأينا هذا السيناريو من قبل، ونعرف كيف ينتهي لا قدر الله. والنتيجة اليوم ماثلة أمامنا: رجل جاوز السبعين، صار فجأة سجينَ بيته، لا يجرؤ على الخروج، معاقَبًا قبل أن يُحاكَم، ومحاكَمًا قبل أن يُناقَش، ومكفَّرًا قبل أن يُفهَم كلامه أصلًا.
إن التكفير ليس رأيًا مضادًّا، بل هو إخراج للخصم من دائرة الحوار إلى دائرة الاستهداف؛ وهو بهذا المعنى ليس مشاركة في النقاش بل إلغاء له، وليس حماية للدين بل مصادرة له. والمجتمع الذي يسمح بأن يُحاصَر فيه رجل داخل بيته بسبب تدوينة إنما يعلن أن كل سائل سيكون مهدور الدم.
لهذا أعلنها بوضوح: التضامن مع محمد الفايد ليس تضامنًا مع مضمون تدوينته، بل تضامنا مع شرط وجودنا جميعًا بوصفنا كائنات عاقلة، أي مشاكسة، لها الحق في السؤال، والحق في الخطأ، والحق في النقاش، والحق في إثارة الشك في كل شيء. وأدعو العلماء الذين يعرفون تاريخ الخلاف في هذه المسألة إلى أن يقولوا كلمتهم؛ فالسكوت في زمن التكفير من قبيل التواطؤ. وأدعو الدولة إلى حماية مواطن تُستباح سلامته على المباشر. فلا ننس أن حماية الأرواح هي الوظيفة الأسمى للدولة. كما نرجو من الله السلامة للجميع.