جريدة إلكترونية مغربية

صورٌ تختصر في لحظة معنى مسارٍ إنساني ومؤسساتي طويل

هناك صورٌ تختصر في لحظة معنى مسارٍ إنساني ومؤسساتي طويل، والصورة التي تجمع الراحلة آسية الوديع بجلالة الملك محمد السادس تنتمي إلى هذا النوع من الصور النادرة؛ فهي ليست مجرد لقطة بروتوكولية من ذاكرة وطنية، وإنما تبدو، في بعدها الرمزي، كأنها مصافحة بين إرادتين التقتا عند قيمة واحدة: الإنسان وكرامته.

 

في حضور الملك، تبدو آسية الوديع كما عرفها من اشتغلوا معها: امرأة تحمل في ملامحها هدوء من اختاروا أن يجعلوا من الدفاع عن الإنسان قضية، لا شعاراً؛ ومن الإصلاح مسؤولية، لا مناسبة ظرفية…

 

وفي المقابل، تختزل الصورة مساراً مغربياً عرف، خلال العقود الأخيرة، انتقالاً تدريجياً من ثقافة العقوبة إلى ثقافة الإصلاح وإعادة الإدماج، ومن النظر إلى السجين باعتباره موضوعاً للعقوبة إلى الاعتراف به باعتباره ذاتاً حقوقية لا تسقط كرامتها بسلب حريتها…وهنا بالذات تكتسب آسية الوديع مكانتها في الذاكرة الحقوقية المغربية.

 

من هذه الزاوية، تصبح أنسنة السجون أكثر من سياسة عمومية؛ إنها اختبار للضمير الحقوقي للدولة…..فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على تطبيق القانون، وإنما أيضاً بقدرتها على تطبيق القانون دون أن تفقد إنسانيتها؛ ولا تُقاس فقط بصرامة مؤسساتها، وإنما بقدرتها على أن تجعل من الصرامة طريقاً إلى الإصلاح لا ذريعة للإذلال.

 

ولذلك فقد كان حضور آسية الوديع في مسار هذا الورش المغربي ليس تفصيلاً عابراً. لقد كانت من الأصوات التي جعلت الإنسان يقف في قلب السؤال السجني: ماذا نفعل بالإنسان بعد أن يعاقبه القانون؟…والجواب الذي أخذ يترسخ في التجربة المغربية هو: أن لا نتركه وحيداً أمام ماضيه، بل نهيئ له شروط العودة إلى المجتمع.

ومن هنا جاءت مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، وتطورت برامج التعليم والتكوين والتأهيل والرعاية والمواكبة الاجتماعية، ثم تعززت المنظومة القانونية بإصلاحات متتالية، وصولاً إلى القانون رقم 10.23 المتعلق بتنظيم وتدبير المؤسسات السجنية، والقانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة؛ وهي كلها، بدرجات مختلفة، تعكس تحوّل السؤال من «كيف نعاقب؟» إلى «كيف نصلح؟».

 

ولعل الصورة نفسها تقول ذلك دون حاجة إلى تعليق…

امرأة وقفت طويلاً إلى جانب الإنسان، وملك جعل من إصلاح المؤسسات وتعزيز الكرامة الإنسانية جزءاً من مسار الدولة الحديثة؛ وبينهما تختصر الصورة لحظة من تاريخ المغرب حين يصبح الإصلاح التقاءً بين الإرادة الملكية والضمير الحقوقي الوطني …

 

لهذا فإن رحيل آسية الوديع لم يكن خاتمة لسيرتها، بل مناسبة لاستعادة السؤال الذي كرّست له حياتها: كيف نجعل من القانون أداة للعدالة، ومن العدالة طريقاً إلى الإصلاح، ومن الإصلاح جسراً إلى الكرامة؟

 

لذلك فإن الصورة التي تجمعها بجلالة الملك محمد السادس ستظل، بهذا المعنى شاهدة على لحظة التقاء بين مشروع إصلاحي كبير وضمير حقوقي؛ بين الدولة في سعيها إلى تطوير مؤسساتها، والإنسان في حقه الأبدي في الكرامة.

رحم الله آسية الوديع…

 

منير الشرقي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.