موقف المشرع المغربي من السلطة التقديرية للقاضي الزجري في تفريد الجزاء
من إنجاز : ذ لشهب محمد
باحث في قوانين الأعمال ..محامي متمرن بهيئة القنيطرة
أحدث مبدأ التفريد في الفقه الجنائي، ثورة قلبت مفاهيمه وحولت تركيزه من الجريمة إلى المجرم الذي أصبح قبلة لنظريات وأفكار جل الفقهاء الذين سارعوا إلى البحث عن أنجع وسيلة لجعل العقوبة ملائمة لشخصية المجرم، الذي لم يعد ينظر إليه كمذنب يجب معاقبته للإنتقام منه، وإنما كمريض اجتماعي يجب تخليصه من مرضه وإعادته سليما إلى المجتمع ومستعدا للتعايش فيه . وكانت أول وسيلة اهتدى إليها الفكر الجنائي في هذا الصدد هي منح القاضي سلطة تقديرية لتمكينه من البلوغ إلى هذا الهدف النبيل .
والواقع أن مستقبل السياسة الجنائية يسير في اتجاه توسيع سلطة القاضي التقديرية في تفريد العقاب، بل أن القول بالتفريد العلمي الاجتماعي يستدعي إحلال التفريد القضائي محل التفريد التشريعي وتدعيمه بالتفريد التنفيذي، وهو التوجه الذي بدت معالمه تظهر واضحة في كثير من التشريعات ومنها تلك التي أخدت بالتدابير الوقائية وبنظام قاضي الإشراف على التنفيذ كالتشريع الفرنسي الذي منح هذا القاضي بموجب الفصل 116 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي سلطات مهمة تتلخص في السهر على تفريد الجزاء القضائي وذلك بتوجيه ومراقبة ظروف تطبيقه .
لكن اتساع سلطة القاضي في تفريد العقاب في مفهوم السياسة الجنائية الحديثة، يستدعي أن تبقى تلك السلطة خاضعة لحدود قانونية وضوابط علمية، ذلك أن كل سلطة كيفما كانت لابد للوصول إلى تحقيق أغراضها والحيلولة دون انحرافها وشططها أن توضع لها حدود وضوابط .
فهل يمكن فعلا ضبط هذه السلطة ؟ وهل لا يتعارض هذا التحديد والسياسة الجنائية الحديثة التي تقضي بتفريد العقاب تبعا لكل حالة على حدة ؟
ولذلك، فإن بحث ضوابط السلطة التقديرية للقاضي الزجري في تفريد العقاب يكتسي أهمية بالغة تكمن في قيمته العلمية، وله صبغة خاصة ويزداد تعقيدا لأنه من المواضيع العملية الدقيقة والشائكة التي لم يستطع الفقه والتشريع الجنائيين الحسم فيها بصورة نهائية خلال عدة قرون، ويرجع ذلك أساسا إلى كون القيود الواجب فرضها على القاضي في هذا الصدد ينبغي أن لا تكون قيودا قوية تسلبه إمكانية التحرك لاختيار الجزاء المناسب، ولا أن تكون قيودا واهية تترك الحرية المطلقة للقاضي في تطبيق العقاب، بل يجب أن تراعي التوفيق بين مصلحتين، المصلحة الاجتماعية في الوقاية من الجريمة، ومكافحتها والمصلحة الفردية في تحقيق إصلاح الفرد .
صحيح أن موقف المشرع المغربي من موضوع سلطة القاضي التقديرية في تفريد العقاب غير واضح تماما، لأنه رغم انصراف نيته إلى تقييد سلطة القاضي الزجري في الفصل 141 من القانون الجنائي بالحدود القانوينة من جهة، وبضابطي الخطورة الاجرامية وشخصية المجرم، فهو لم يعتن بوضع معايير قانونية دقيقة يلتزم بها القاضي في استظهار الخطورة من جهة وشخصية الجاني من جهة ثانية، بحيث جاء تنظيمه لهذه السلطة ناقصا، مما جعلنا نصنفه في مرتبة وسطى بين التقييد والإطلاق .
فإذا كانت وظيفة العقوبة قد تطورت في اتجاه يخدم مصلحة الفرد بالأساس مما دعا إلى تمتيع القاضي بسلطة تقديرية واسعة في تفريد العقاب، فإن مصلحة هذا الفرد هي بالذات التي دعت إلى تنظيم هذه السلطة حتى لا تصبح أداة قهر وقسر في يد القاضي دون التزامه بأية مقاييس، ودون خضوعه لأية رقابة خاصة وأن تشريعنا لا زال مخلصا لمبدأ العقوبة التقليدية رغم إدخاله مؤسسة التدابير الوقائية ولا زال أيضا مخلصا لمبدأ المسؤولية الأخلاقية .
وقد تنبه المهتمون لهذه المسألة عندما وقع تخوف كبير من العودة إلى نظام العقوبات التحكمية إثر قيام جل التشريعات بتبني مبدأي السلطة التقديرية من جهة، وتفريد الجزاءات من جهة أخرى، وخاصة بعدما وقع تدعيم هذه السلطة بمختلف الوسائل الشرعية، كظروف التخفيف ووقف التنفيذ، مما أدى إلى اتساعها أكثر فأكثر .
لهذه الأسباب سارعت بعض التشريعات الغربية والعربية منها إلى تنظيم سلطة القاضي التقديرية بمعايير قانونية دقيقة تعين القاضي على إيجاد الجزاء الأكثر ملاءمة لطبيعة الجاني، بل وأكثر من ذلك وزيادة في الحيطة والحذر، فقد ألزمت هذه التشريعات القاضي بتعديل قراره أي بتفسير الأسباب التي جعلته يتبنى هذا الجزاء أو ذلك وكان من ضمن هذه الدول اليونان التي نظمت سلطة القاضي التقديرية في الفصل 79 من قانون العقوبات اليوناني، وكذا المشرع الإيطالي الذي نظمها في الفصلين 132 و 133 من قانون العقوبات الإيطالي ويخص الفصل الأول منح السلطة التقديرية وإخضاعها للمراقبة، وينظم الثاني المعايير القانونية الواجب الإعتماد عليها في استخلاص الخطورة الإجرامية ونزعة المجرم للإجرام، ومن ضمن التشريعات الدول العربية، المشرع الليبي الذي أخد عن المشرع الإيطالي وذلك بالنص في الفصلين 27 و28 من قانون العقوبات الليبي على ضرورة إخضاع سلطة القاضي التقديرية للمراقبة وإلزامه بإتباع المعايير المنصوص عليها في الفصل 28 من نفس القانون .
الخطورة الإجرامية تتبين من الأمور الآتية :
- طبيعة الفعل ونوعه والوسائل التي استعملت لارتكابه وغايته ومكان ووقته وسائر الظروف المتعلقة به ؛
- جسامة الضرر الناتج عن الفعل ؛
- مدى القصد الجنائي سواء أكان عمديا أو غير عمدي .
وتتبين نزعة المجرم إلى الإجرام من الأمور التالية :
- دوافع ارتكاب الجريمة وخلق المجرم ؛
- سلوك المجرم وقت ارتكاب الجريمة وبعده ؛
- ظروف حياة المجرم الشخصية والعائلية والاجتماعية .
ونعتقد أن تلك التشريعات كانت موفقة في الموقف الذي سلكته في تنظيم هذه السلطة وذلك للأسباب التالية :
- أن تنظيم السلطة التقديرية بطريقة قانونية قد يعمل على تلافي صدور أحكام متفاوتة في قضايا متشابهة ؛
- أنه يؤدي تطبيق مبدأ التفريد بصورة سليمة وهادفة، فمما لاشك فيه أن معايير التقدير تقرب طبيعة الجاني من ذهن القاضي ؛
- إخضاع سلطة القاضي التقديرية للمراقبة قد يجعل القاضي في مأمن من الزلل، لأنه سيشعر لا محالة بوجود سلطة عليا تراقب كيفية تقديره للعقاب، وبالتالي سيحاول إصدار الحكم استنادا إلى المعايير القانونية حتى لا يكون قراره عرضة للإبطال .
- ثم إن في إخضاع القرار لهيئة عليا ضمان ضد التعسف .
لذلك نقترح في هذا الصدد على المشرع المغربي في تعديل الفصل 141 من القانون الجنائي المغربي بإضافة فقرة ثانية تشمل المعايير القانونية الواجب على القاضي اتباعها في استظهار كل من الخطورة الإجرامية وطبيعة المجرم .
كما نقترح عليه إضافة فصل جديد يخضع بموجبه هذه السلطة للمراقبة، وذلك على التفصيل التالي :
الفصل 141 من ق ج :
” للقاضي سلطة تقديرية في تحديد العقوبة وتفريدها في حدود ما نص عليه القانون المعاقب على الجريمة مراعيا في ذلك خطورة الجريمة المرتكبة من ناحية، ونزعة المجرم للإجرام من ناحية أخرى .
وتتبين الخطورة الاجرامية من الأمور التالية :
- طبيعة الفعل ونوعه والوسائل التي استعملت لارتكابه وغايته ومكان وقوعه ووقته وسائر الظروف المتعلقة به ؛
- جسامة الضرر أو الخطر المادي الناتج عن الفعل ؛
- مدى القصد الجنائي سواء كان عمديا أو غير عمدي .
وتتبين نزعة المجرم نحو الإجرام من الأمور الآتية :
- دوافع ارتكاب الجريمة وخلق المجرم ؛
- سلوك وقت ارتكاب الجريمة وبعده ؛
- ظروف حياة المجرم الشخصية والعائلية والاجتماعية “.
وهكذا فإذا كان تظيم سلطة القاضي التقديرية يحصرها في إطار قانوني قد يوحي بتضييق مجال التفريد القضائي، فيجب أن لا يغيب عن الأذهان الدور الفعال الذي يلعبه التفريد الإداري أو التنفيذي، وهو الذي يأتي في آخر مرحلة أي في المرحلة التنفيذية للعقوبة، والذي ينبغي أن يحظى بالعناية الفائقة من طرف المهتمين، ذلك أن العقوبة لم يكون لها دورها الإصلاحي إلا إذا تم تنفيذها داخل مؤسسات سجونية تتوفر على أجهزة ومراكز تضمن للوافدين عليها مستوى يتلائم والكرامة الإنسانية كما تسمح للخريجين منها بإمكانية ممارسة أعمال شريفة تقيهم من السقوط في مغبة العودة إلى الإجرام، وبالطبع لن يتأتى ذلك إلا إذا نفذت العقوبة أو التدبير بطرق علمية وتربوية لا تتنافى مع الهدف الإصلاحي المشهود .
ولتحقيق ذلك، ينبغي على الدولة في إطار التضامن والتكافل الاجتماعي أن تصرح على الاعتناء بخريجي السجون، والعمل على مساعدتهم، لأن مثل هذا الواجب من صميم المبادئ الإسلامية القيمة، والتي توجب على كل فرد أن يتضامن مع الآخرين باسم واجب البر والتعاون الذي يفرض على المسلم أن يكون لأخيه المسلم كالبنيان المنصوص .
وقد قيل بحق أنه : ” متى استقرت في الأذهان رسالة القانون الجنائي ورسخت في أعماق النفوس الحدود الواجب أن تلتزمها سلطة العقاب، استقام كيان المجتمع وساد الأمن حياة أعضائه، وهذه دعامة لا غناء عنها في وجود أية أمة من الأمم “.