جريدة إلكترونية مغربية

محمد بلعربي الوديع الأسفي ….سيرة حياة…!!

 

ولد “محمد بلعربي” أو “محمد الشرقي” الملقب بـ “الوديع الأسفي” في 23 مارس سنة 1923 بمدينة أسفي، تابع دراسته الأولى في إطار التعليم الحر المرتبط بالحركة الوطنية على يد مجموعة من العلماء والفقهاء أمثال الشيخ أحمد بن محمد العبدي الكانوني صاحب المؤلف المشهور “أسفي وما إليه” والفقيه إدريس بناصر وغيرهما. وفي سنة 1936، رحل إلى مدينة مراكش ليدرس في مدرسة العلامة محمد المختار السوسي الحرة، والذي يقول عنه في كتابه “ذكريات”:
“كان يأخذ عنه من الأسفيين أربعة أحمد عيلان ومحمد بن العربي وابن سترة ومحمد فتحا، وكلهم من انبثقت النجابة في آفاقهم على قلة مكثهم عندنا …فأما ابن العربي فإنه لازمنا حتى فرقت عوادي الدهر بيننا، وكان نشطا ذا مبدأ، وقد كان برقت منه بارقة نجابة، فعهدي به كان في وقت الدراسة كثير الأسئلة، فيقبل ويرد. وكان مولعا فخورا بتحصيله على مبدئه الشريف، وأما أعظم فرحتي يوم حصلت في منفاي برسالة منه من كتاب “أعلام أسفي”” .
وبعد نفي المختار السوسي سنة 1937، انتقل محمد الوديع إلى فاس ليتم تعليمه بجامعة القرويين، ونال منها الشهادة الثانوية سنة 1943، وصادف أن كانت الساحة تغلي وكانت مظاهرات ضد الاستعمار الفرنسي الذي كان يجثم على رقاب المغاربة، واعتقل سنة 1944 إثر حوادث فاس التي جرت غداة تقديم وثيقة المطالبة الاستقلال، وحوكم بسنتين سجنا وبالحرمان من مواصلة تعليمه. وبعد خروجه من السجن سنة 1945، عمل أستاذا بمدرسة النهضة الإسلامية بمدينة مكناس، لكن عمله الوطني ونضاله ضد الظلم والحيف الذي كان يمارس على الشعب المغربي، جعل الاستعمار الفرنسي يعفيه من مهمة التدريس. وتوالت محنته مع الاعتقالات خاصة بعد المظاهرات التي نظمها الشعب المغربي بعد اغتيال المناضل النقابي التونسي فرحات حشاد في شهر دجنبر سنة 1952، فنفي محمد الوديع الأسفي إلى مدينة سلا بقرار جائر من لدن إدارة الشؤون الداخلية التابعة للإقامة العامة. واعتقل بعد ذالك في أعقاب أحداث شهر غشت 1953 بعد نفي المغفور له محمد الخامس، حيث كان عضوا نشيطا في “حزب الاستقلال” وكان في طلائع من استقبل الملك محمد الخامس لدى عودته من المنفى في نونبر سنة 1955.
بعد استقلال المغرب سنة 1956، عين محمد الوديع قائدا بمنطقة الخميسات قبل أن ينتقل إلى سيدي بنور كقائد ممتاز. إلا أن وقوفه ضد مظاهر الاستبداد الجديدة ومناصرته للفقراء والمستضعفين، وانتماؤه لحزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” آنذاك، وسهره على مرور الانتخابات في جو تطبعه النزاهة والشفافية، ورفضه الدخول في مسلسل التزوير الذي كان حديثا، كلها أسباب عجلت بإعفاءه من طرف وزير الداخلية آنذاك أحمد رضى اكديرة، وكان ذلك سنة 1963.
ظلت لعنة الاعتقالات تلاحق الوديع الأسفي، فقد اعتقل في أكتوبر سنة 1963 بمناسبة الحرب التي دارت بين المغرب والجزائر (حرب الرمال) ونزل ضيفا في مركز درب مولاي الشريف بالدار البيضاء. ولما أطلق سراحه اشتغل بمد أسر باقي المعتقلين بما كانوا يحتاجون إليه من المساعدة، منظما أعمال التضامن معهم وساهرا على جمع الأموال لفائدتهم، وكانت تساعده زوجته المناضلة ثريا السقاط. وفي مارس سنة 1973، ألقي عليه القبض من جديد وامتحن مرة أخرى بالتعذيب والحبس التعسفي في المعتقل السري “الكوربيس” في الدار البيضاء، ثم أطلق سراحه في أبريل سنة 1974 دون أن يحال على المحكمة. وبعدها واصل رسالته المرتبطة بالدفاع عن الطبقات المستضعفة عبر بوابة حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، حيث ترك الراحل محمد الوديع صفحات خالدة في تاريخ تأسيس هذا الحزب وبنائه وتطويره وكذلك من خلال “النقابة الوطنية للتعليم” التي ساهم في تأسيسها.
كان الوديع الأسفي مناضلا قوميا، حيث أصدر مجلة “فلسطين”، بعد هزيمة سنة 1967 وجعلها منارة للتعريف بالقضية الفلسطينية، وظل يرأس تحريرها من سنة 1968 إلى سنة 1971، وكان يعمل إلى كل من المرحومين عمر بن جلون ومصطفى القرشاوي. وصدر من هذه المجلة 134 عددا، وكانت منبرا للأحرار والمدافعين عن الفكر الحر ضد الاستبداد والطغيان. وقد توقفت هذه المجلة بسبب الحجز وسوء التوزيع، صدر عددها الأول بتاريخ 11 أكتوبر سنة 1968 وعددها الأخير يوم 14 ماي سنة 1971.
ولم يكن محمد الوديع الأسفي مناضلا وصحفيا فقط، بل كان شاعرا وكاتبا. حيث بدأ النشر سنة 1942 في مجلة “الثقافة المغربية” التي كانت تصدر بالرباط أوائل الأربعينيات تحت مسؤولية محمد غازي وذلك بظهور مقاله: “شاعر العاطفة: أبو القاسم الشابي”. كما نشر مجموعة من القصائد والمقالات بـ “مجلة الأدب” و”مجلة رسالة المغرب” وبالصحف المغربية، منها: “العلم” و”التحرير” و”المحرر” و”البلاغ” و”الاتحاد الاشتراكي”… ونال جائزة المبارة الوطنية في الشعر لسنة 1956.
ومن مؤلفات الراحل محمد الوديع الأسفي المطبوعة:
1- “الجرح العنيد”. ديوان شعر، دار النشر المغربية، الدار البيضاء 1979؛
2- “من معالم الطريق عبد العزيز الماسي”. دار النشر المغربية، الدار البيضاء 1982؛
3- “منطقة أيت باعمران ملحمة البطولة”. دار النشر المغربية، الدار البيضاء 1982؛
4- “ديوان الأرض”. شعر، دار النشر المغربية، الدار البيضاء 1983؛
5- “السلفي المناضل محمد بلعربي العلوي”. دار النشر المغربية، الدار البيضاء 1986؛
6- “عمر بن جلون الإنسان المتفتح كما عرفته”. دار النشر المغربية، الدار البيضاء 1992؛
7- “عبد الرحيم بوعبيد مدرسة التكوين والتوجيه”. صدر سنة 1997.
وقد ترك أيضا مؤلفات لا زالت مخطوطة، وهي:
8- “يطو الزيانية مشعل الثورة الأطلسية”؛
9- “مواقف بطولية حاسمة للمناضل السرفاتي”؛
10- “الحركة الوطنية خلال النصف الأول من القرن”.
وافته المنية يوم السبت 11 ربيع الأول عام 1425هـ موافق الفاتح من شهر ماي سنة 2004، في يوم عيد الشغل، وهو الذي ظل مرتبطا بالطبقة الكادحة وناضل من أجلها عبر أروقة ومؤتمرات حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”النقابة الوطنية للتعليم”. وري جثمانه الثرى بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء. وقد وجه جلالة الملك محمد السادس برقية تعزية لعائلة الراحل محمد الوديع الأسفي، ومما جاء فيها: “إن المغرب فقد فيه وطنيا صادقا ومثقفا ملتزما ورجلا مقداما لا يخشى في الله لومة لائم متشبثا بثوابت أمته غيورا على سمعة وطنه وحرمته”.
ومن الأناشيد التي نظمها الشاعر المكافح محمد العربي الأسفي بسجن لعلو بالرباط يوم 15 دجنبر سنة 1953، وكان المعتقلون يرددونه بالسجن كل مساء بعدما لحنه المناضل عبد الحق الصفريوي أحد فدائيي فاس، “نشيد الثورة”:
وطني المغرب يا نعم السكـن **** دمك الطاهر تذكيـه المحــــــــــن
شعبك المخلص صاحت أسـده **** هي للموت فــــــداء للوطـــــــن
يا بني المغرب يا أسد العرين **** طهروا الشعب من الخصم اللعين
حطموا الأغلال بالروح التـي **** حطمت من قبل أغلال السنيـــن
واذكروا عهدا مجيدا قد مضى **** حصن العالم بالخلق المتيـــــن
واحملوا الأعلام وامشوا للوغى **** تبذلون الروح للنصر المبـين
اللازمة
موطن الأجداد يا مرعى الأسود **** قد غدونا اليوم للمجد جنود
نفدي بالروح بلادا سطـــــــرت **** لبني الدنيا مناهيج الصعود
علمتهم من مباديــها التـــــــي **** سعدوا في ظلها طول الوجود
فإليكم منى ياخــير الجـــــــدود **** عهد أحرار رعاة للعهـــــود
اللازمة
قومي الأبطال عنوان الظفــــر **** صنعوا للدهر أسمى مفتخـر
فتحوا الأقطار والدهر أبـــــر **** يحملون النور والهدى الأغر
فاستنار الكون بالعلم الـــــذي **** نشروه بين أبـناء البشــــــر
فسلوا عنه أماجيد الدنيـــــــا **** كم رعوا في ظل ذاك المدخر
اللازمة
وطني المحبوب يا روح الأمانـي **** دونك اليوم صناديد النضـال
دونك اليوم شبــــاب صرخــــــوا **** هيا للتحرير هيــا للمعالــي
هاك عهد من قلـوب همــــها **** أن يعيش الشعب في ظل الكمال
سوف يدري الخصم أنا أمــة **** لقنت للكون أسـرار القتـــــــال
اللازمة
وطني الحر عرين للأســـــــود **** قومي الصيد دعاة للصـمود
شعبي الخالد شعب ماجــــــد **** يستمد العزم من روح الجدود
يفتدي بالروح رمزا خالـــدا **** يتحدى الدهر والماضي البعيد
ملأ التاريـخ مجدا وسنــــى **** لقن الكون أناشيد الخلـــــــود
اللازمة
أمـة المغرب يا شعــب الوفـــــــــى **** بك أضحى جيــلنا حرا أبـــــــــي
حبك القدسي يـــــسري فـي دمــي **** ويغذي بالوفــــــــــــا كل صبــي
ذاك سر الله فـي الكـون فكـــــــــــم **** فيه من معنـــى لطـاغ أو غبــي
سوق يطوي الكون أغراض الحياة **** غير هذا الحب يا شعبي الأبي .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.