جريدة إلكترونية مغربية

عندما ينحني العظيم..لقد انحنى بوريطة فارتفع المغرب

في عالم السياسة، حيث تُقاس الكلمات بميزان الذهب، وتُقرأ الإيماءات كما تُقرأ الخطابات، قد تختصر لحظة واحدة ما تعجز عنه بياناتٌ مطوّلة.
في مشهد عابر التقطته عدسة، لكنه سيبقى عالقًا في الذاكرة السياسية الإفريقية، شوهد السيد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ينحني تواضعًا أمام رئيس جمهورية تشاد، في لقاء لا يخلو من رسائل صامتة… لكنها مدوية.

ليست هذه الانحناءة مجرّد فعل بروتوكولي، بل مرآة لفلسفة مغربية راسخة: القيادة ليست استعلاءً، بل احتواء.
إنها لحظة تختزل القيم التي تبني الأمم العظيمة، وتؤسس لدبلوماسية قادرة على مداواة جراح الماضي، وصياغة مستقبل قاري مشترك عنوانه الاحترام، والتعاون، والندية الراقية.

ناصر بوريطة، الذي راكم تجارب دبلوماسية في ملفات معقّدة وقضايا شائكة، لا يُراهن فقط على الذكاء السياسي، بل على الحس الإنساني. في انحنائه، لم يُخاطب رئيسًا فقط، بل خاطب شعوبًا، وأرسل رسالة رمزية إلى إفريقيا:
أن المغرب يرى في القارة إخوةً لا أتباعًا، وشركاء لا منافسين.

تشاد والمغرب… أكثر من علاقات دبلوماسية

ليس غريبًا أن تكون هذه اللحظة في حضرة رئيس التشاد بالذات. فبين الرباط ونجامينا روابط متينة، تتجاوز الأعراف الدبلوماسية إلى آفاق أرحب من التعاون الأمني، والاقتصادي، والديني.
المغرب، بقيادته الوازنة في غرب ووسط إفريقيا، كان دائمًا حريصًا على دعم استقرار تشاد، كما ساهم في تكوين الأئمة، وتقديم الدعم الفني في مجالات متعددة.

تشاد، قلب إفريقيا النابض، تعرف جيدًا أن للمغرب مكانةً خاصة في النسيج القاري، ولذا فإن اللقاء بين المسؤولين لم يكن مجرد تقاطع مصالح، بل تلاقي رؤى.
وفي هذا السياق، تُصبح حركة بوريطة الرمزية بمثابة تعبير صادق عن احترام متبادل، واعتراف بأهمية الشراكة جنوب-جنوب.

أكثر من لحظة… نهج دبلوماسي متكامل

ليست هذه اللقطة مجرد صدفة، بل انعكاس دقيق لنهج متكامل تنهجه المملكة المغربية منذ سنوات.
من العودة التاريخية إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، إلى تعزيز الحضور الاقتصادي والروحي والثقافي في العواصم الإفريقية، اختار المغرب أن يُخاطب القارة من داخلها، لا من فوقها.

دبلوماسية ناعمة، لكن ثابتة.
تحترم الخصوصيات، وتُراهن على الثقة بدل الوصاية.
وفي انحناءة ناصر بوريطة، تتجلى هذه الفلسفة:
المغرب لا يمد يده فقط، بل يطأطئ رأسه احترامًا، ليعلو بصورته بين الأمم.

انحناءة ترفع الهامات

في زمن ترتفع فيه الأصوات وتتصارع الأجندات، تنخفض القامات الكبرى لتسمو بالقيم.
لأن الاحترام لا يُملى، بل يُهدى،
والعظمة لا تُفرض، بل تُجسّد.

لقد انحنى بوريطة…
فارتفع المغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.