الحسن الثاني… ملهم المسيرة الخضراء ومهندس المغرب الحديث
✍️ بقلم: أميمة قلون – مراسلة جريدة الحدث الآن – الجديدة
في الثالث والعشرين من يوليوز من كل سنة، يستحضر المغاربة قاطبة – بقلوب مؤمنة ووفية – ذكرى وفاة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، الرجل الذي حمل همّ الوطن لعقود، وقاد المغرب بحكمة نادرة خلال واحدة من أدق فترات التاريخ المعاصر، فجعل من المملكة المغربية الشريفة صرحًا سياسيًا قويًا، وفاعلًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه.

إنها ليست فقط ذكرى لرحيل ملك عظيم، بل لحظة وطنية سامية نستحضر فيها مسارًا استثنائيًا لرجل دولة من طراز نادر، رجل شكّل مدرسة في الحكامة والسياسة والدبلوماسية، وبصم تاريخ المغرب بإصلاحات جوهرية، ومبادرات استراتيجية وضعت أسس الدولة المغربية الحديثة.
???? الحسن الثاني… صانع التوازنات وباني الدولة الحديثة
كان الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، رجل مرحلة بامتياز. فقد ورث مغربًا حديث العهد بالاستقلال، مثقلاً بالتحديات، فبادر منذ توليه العرش إلى ترسيخ دولة المؤسسات، وكرّس مبدأ السيادة الوطنية، وحافظ على تماسك الدولة أمام التهديدات الداخلية والخارجية، متسلحًا بشرعية تاريخية وشعبية، وبفكر إصلاحي عميق ورؤية استراتيجية فذّة.
وكان من أبرز إنجازاته السياسية وضع أول دستور للمملكة سنة 1962، والذي كرّس الملكية الدستورية، وفتح الباب أمام تجربة ديمقراطية متدرجة، برؤية واقعية تستحضر التوازن بين الاستقرار والانفتاح. وعلى الرغم من الإكراهات، فقد حافظ الراحل على مسلسل الانتقال الديمقراطي، مؤسسًا لتقاليد سياسية لازالت المملكة تحافظ عليها حتى اليوم.
???? سياسة السدود… عبقرية استشرافية وسيادة غذائية
واحدة من أعظم المبادرات التي تحسب للملك الحسن الثاني هي سياسة بناء السدود، والتي لم تكن مجرد مشاريع تقنية، بل رؤية استراتيجية استباقية استهدفت تحقيق الأمن المائي والسيادة الغذائية، وضمان تنمية فلاحية مستدامة.
فقد أطلق جلالته سياسة طموحة مكنّت المغرب من تشييد أكثر من 140 سداً كبيراً، ما جعل المملكة رائدة إفريقيا في هذا المجال، وأمّنت حاجيات ملايين المغاربة من الماء الشروب ومياه السقي، خاصة في ظل شح الموارد وتوالي فترات الجفاف.
???? البعد الدبلوماسي والسيادي… وروح المسيرة الخضراء
في مجال السيادة الترابية، لا يمكن الحديث عن الملك الحسن الثاني دون استحضار حدث المسيرة الخضراء سنة 1975، تلك الملحمة السلمية الكبرى التي جسّدت عبقرية سياسية فذة، وكرّست التلاحم التاريخي بين العرش والشعب، وأكدت للعالم أجمع أن قضية الصحراء المغربية هي قضية وجود، لا قضية حدود.
وإلى جانب الدفاع عن الوحدة الوطنية، استطاع الملك الراحل أن يرسّخ مكانة المغرب كدولة ذات صوت مسموع في المنتديات الدولية، بحضوره الواثق، وحنكته الدبلوماسية، وعلاقاته المتميزة مع قادة العالم، من الشرق إلى الغرب.
???? الملك محمد السادس… وريث الحكمة وباني المغرب الجديد
بعد وفاة الحسن الثاني سنة 1999، حمل جلالة الملك محمد السادس نصره الله الأمانة الثقيلة، فاستكمل الأوراش الكبرى، وانطلق برؤية مولوية جديدة نحو المغرب الرقمي، الاجتماعي، والمندمج.
بفضل القيادة المتبصرة لجلالته، عرف المغرب إصلاحات كبرى مست كل المجالات: من إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى تبني نموذج تنموي جديد، ومن تعزيز الحقوق والحريات إلى تدعيم دولة القانون والمؤسسات، مع الانفتاح على التكنولوجيات الحديثة والاقتصاد الأخضر والطاقات المتجددة.
وقد شهدت الأقاليم الجنوبية في عهد جلالة الملك نهضة غير مسبوقة، بأوراش تنموية عملاقة، ومشاريع هيكلية تؤكد – مرة أخرى – أن الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه.
???? استشراف المستقبل… على درب الوفاء والوحدة
إن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، يواصل مسار البناء والتحديث، متسلحًا بإرث تاريخي مجيد، وروح وطنية عالية، ورؤية ملكية سامية، قوامها الريادة، الحزم، الرأفة، وحسن التأطير، كما جاء في خطب جلالته.
وإن المغاربة، وهم يحيون ذكرى وفاة ملكهم الراحل، يجددون اليوم بيعتهم وولاءهم لملكهم الحالي، ويؤكدون تشبثهم بثوابت الأمة ومقدساتها، في مشهد حضاري يعكس خصوصية النموذج المغربي في التلاحم بين العرش والشعب.
رحم الله الملك الحسن الثاني، وأطال الله في عمر جلالة الملك محمد السادس نصره الله، وحفظه بما حفظ به الذكر الحكيم، وأقر عينه بولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصنوه الرشيد مولاي رشيد، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة.