جريدة إلكترونية مغربية

سحر الموسيقى

ذ جمال أكوجكال

للموسيقى قلب نابض بالفرح والسعادة، بالحزن والتعاسة، للأغاني لغتها وللموسيقى إيقاعها وجمالها…

اكتشفت الموسيقى مبكرا ككل أبناء جيلي من خلال المذياع الذي كان ينير صباحات الوالدة ويؤنسها وهي تعد وجبتي الفطور والغداء… في الحقيقة لم يكن يؤنس الوالدة بالفعل إلا الوالد، الوالد دون سواه …وكان فقدانه المفاجئ في أحد أيام الصيف الرهيبة كارثة حقيقية بالنسبة لها ولو أنها لم تبد أبدا خلال أيام العزاء وبعدها ما يؤشر على تأثرها علما أنه كان رفيق دربها لأزيد من خمسين سنة. هن هكذا بعض النسوة الآتيات من أزمنة الأوبئة والمجاعات الفتاكة، صابرات على الأهوال، تكابدن الأزمنة والأيام المرة مرارة الحنضل بقلب من جليد وإصرار من فولاذ أو حديد.

هي هكذا أمي وأم الجميع: كانت أكبر أخواتها وإخوانها، صمدت في وجه الدهر ووقفت سدا منيعا أمام أهوال الأزمنة العسيرة، استقبلت في بيتها لسنوات وعقود بعض أخواتها وإخوانها، بل من بعدهن وبعدهم بناتهن وأبناءهن، الآتيات والآتون من البادية إلى “المدينة” بحثا عن العلم، ذاك العلم المنقذ، ذاك العلم الذي يغير كل شئ…

لن أطيل في وصف أفضال الوالدة أطال الله في عمرها….

كنت أحب تلك الأغاني المتسربة من المذياع، وخلافا للعديد من أصدقائي، لم أكن أحفظ الكلمات التي لا أنتبه إليها إطلاقا…

كنت أكثر تأثرا بالألحان، وكلما كان اللحن جميلا كلما أستمتعت أكثر بتلك الترانيم الرائعة…

كنت أحب ذلك المذياع الذي لم أفهم يوما كيف يستقبل تلك الأغاني ويعيد بثها لنا كما هي حتى نستمتع…الأمر سحري…

ظللت هكذا مسحورا ومشدوها لسنوات بنغمات آتية من بعيد إلى حيث أنا، إلى حيث ترعرعرت…

كبرت شئ ما، ثم منيت النفس أن أكون مطربا وكاتب كلمات وموسيقيا أيضا، بل منيت النفس أن أكون ممثلا ومخرجا وربان طائرة وسفينة ضخمة وبطلا من الأبطال الواقفين في وجه غزاة الأرض تماما كالدوق فليد..

لطالما اعتبرت الموسيقى أمراً غامضاً. فهي تمتلك قدرة على نقل الفرد إلى ما وراء حياته ومعيشه. هناك غموض لا يمكن تفسيره ينبعث من أوتار العود والقيتارة التي تتحول، في غفلة منك، إلى جسد امرأة فاتنة. الطبول تهز الأفئدة، وتهدئ الأرواح، وتخترق الصمت بحب، تخترق الفراغ، تقضي على ملل اللحظة… مزيج من الأصوات أكثر إمتاعا، وأكثر نعومة حتما من باقي التفاصيل اليومية. سحر آسر يغمر الكائنات والمكان. انسجام، نشوة، مغامرة لذيذة، لحظة دقيقة وفريدة تغمر الجالسين وتدفعهم للوقوف فيرقصون رغما عنهم، يرقصون، بعضهم بروية وبعضهم الآخر بجنون كأنهم بشئ من الأفيون منتشون. الأصوات اللطيفة تثير الخلايا العصبية وتهيج الحواس وتحرر العقل من عذاباته، وتأخذه إلى ما وراء نفسه، وتنقله إلى عالم ساحر، إلى عالم آخر، بعيدًا عن كآبة الحياة اليومية ورتابتها، تأخده للإبحار في سماء مرصعة بالنجوم في وضح النهار، صافية في عز الشتاء، فلا يشعر المرء سوى بالفرح والمتعة والامتلاء، بل انتشاء لا يوصف. تجربة تشبه الانجراف مع تيار البحر نحو دفء الجزر الفردوسية. إنه حلم، لحظات تشبه العزف على البيانو دون لمس المفاتيح. تنبعث الألحان المثيرة وتتدفق بروعة وبكل عفوية من هذه الآلات الغامضة والساحرة. لحسن الحظ أن الموسيقى موجودة وهو أمر بهيج يتحدى الواقع القاتم هنا وهناك بسبب أصوات إطلاق النار من البنادق والمدافع والدبابات ودوي الانفجارات غير المبررة والمجنونة بالمعنى الحرفي والمجازي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.