سطات بين مرايا السينما وأفق التنمية: المهرجان الوطني لفيلم الهواة يفتح موسم الأسئلة الكبرى
بقلم : زهير الزعواط، طالب بالمعهد العالي للصحافة و الإعلام بالدارالبيضاء.
تستعد مدينة سطات لاحتضان الدورة السابعة عشرة من المهرجان الوطني لفيلم الهواة خلال الفترة الممتدة من 23 إلى 27 دجنبر 2025، وهي تظاهرة ثقافية تُنظَّم سنويًا من طرف جمعية الفن السابع بشراكة مع عدد من الهيئات المحلية، وبتنسيق مع المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية التي تشرف على فتح باب التسجيل في أربع محترفات تكوينية: التحليل الفيلمي، التصوير السينمائي، كتابة السيناريو، وإدارة الممثل. وتمتد كل ورشة على ثلاث ساعات، يحصل المشاركون في نهايتها على شهادات مشاركة.
ورغم الطابع الاحتفالي للمهرجان، إلا أن الحدث يتجاوز حدود العروض والورشات، ليطرح من جديد سؤالًا يرافق المدينة كل عام: كيف يمكن لمبادرة فنية أن تسهم في رسم معالم حضور ثقافي واضح لمدينة تبحث عن موقعها وسط تحولات اجتماعية وثقافية متعددة؟
وراء الورشات: شباب يبحث عن لغة جديدة بالصورة
تُقدَّم المحترفات التكوينية عادةً باعتبارها تدريبًا تقنيًا، لكنها في الواقع تكشف دينامية أعمق يعيشها شباب المدينة. فبالعودة إلى تجارب الدورات السابقة، يظهر أن كثيرًا من المشاركين دخلوا المهرجان بدافع الفضول، لكنهم خرجوا منه بوعي مختلف بالصورة، وبالرغبة في تحويل الشغف إلى ممارسة فنية قابلة للحياة.
هذه الورشات تتيح للهواة فرصة نادرة للقاء مؤطرين محترفين، والاحتكاك بمدربين من خلفيات مختلفة، ما يمنح المهرجان بعدًا تربويًا وتعليميًا يتجاوز حدود أيامه الأربعة.
ومع ذلك، يبقى السؤال قائمًا: إلى أي حد يمكن لهذا التكوين أن يتحول إلى ممارسة مستدامة في غياب بنيات عرض، ومساحات تدريب مستمرة، وسياق ثقافي يرافق المواهب؟
السينما كمرآة… ومختبر لنبض المجتمع
تتميز تظاهرة فيلم الهواة بخصوصية لافتة: الأفلام القصيرة التي تُعرض خلالها ليست مجرد محاولات تقنية، بل نصوص مصوّرة تحمل هموم مدن صغيرة ومتوسطة، وتسجل حساسية اجتماعية لا تمر غالبًا عبر القنوات التقليدية.
من خلال هذه الأفلام، تبدو سطات — مثل غيرها من المدن — في مواجهة أسئلة الشباب حول العدالة الاجتماعية، التعليم، العلاقات، والهويات المتشابكة. وهو ما يجعل المهرجان أكثر من مجرد موعد فني؛ إنه مختبر سنوي لقراءة المجتمع من خلال عيون شبابه.
ولعل هذا ما يمنح المهرجان قيمة مضافة: قدرته على تجميع نماذج سردية محلية تُظهر ما يحدث في الهوامش، بعيدًا عن مركزية المدن الكبرى.
سطات مدينة تبحث عن صوتها الثقافي
رغم المبادرات المتكررة، لا تزال سطات — كمدينة متوسطة — تواجه تحديًا في بناء هوية ثقافية واضحة. فالحياة الفنية هنا تعتمد غالبًا على جهود جمعيات نشيطة، وعلى محاولات فردية لا تخفي غياب سياسة ثقافية محلية طويلة المدى.
يأتي المهرجان الوطني لفيلم الهواة ليعيد طرح هذا السؤال سنويًا:
هل يمكن لحدث واحد، مهما كانت قيمته، أن يُحدث تحولًا حقيقيًا في المشهد الثقافي؟
الجواب ليس بسيطًا. فالثقافة لا تُختزل في تظاهرة، بل تحتاج إلى تراكم، وإلى رؤية، وإلى بيئة قادرة على تحويل المبادرة إلى عادة، والفضول إلى ممارسة، والشغف إلى مهارة.
ومع ذلك، يظل المهرجان — بما يوفره من تكوين وفضاء للقاء وتبادل — نقطة ضوء لا يمكن التقليل من أهميتها، وربما بداية لمسار أطول تحتاجه المدينة.
سيناريو مفتوح… ومدينة في حالة بحث
تعود سطات هذا العام لتصبّ اهتمامها على السينما، لكن الحدث يتجاوز حدود “العرض” إلى ما هو أبعد:
إنه دعوة مفتوحة للمدينة كي تفكر في علاقتها بالثقافة، وفي الأدوار التي يمكن للفن أن يلعبها في تنشيط الفضاء العام، وتطوير الحس النقدي، وتوسيع آفاق الشباب.
فالسينما ليست ترفًا. إنها أداة لفهم الذات، ولإعادة صياغة العلاقة بالمكان، وللبحث عن معنى في زمن سريع الإيقاع.
وفي مدينة مثل سطات، قد تكون هذه الأداة بداية لجسر بين المواطن وفضائه، وبين الهواية والاحتراف، وبين الحلم والواقع.
لا يقدم المهرجان حلولًا جاهزة، لكنه يفتح باب الأسئلة، ويعيد إحياء النقاش حول موقع الثقافة في التنمية، ويمنح الشباب فرصة لصياغة خطابهم الإبداعي الخاص.
وفي ذلك وحده، تكمن قوته.
الدورة السابعة عشرة ليست مجرد موعد سنوي؛ إنها لحظة تأمل في قدرة مدينة على إعادة اكتشاف ذاتها عبر الفن والصورة.