جريدة إلكترونية مغربية

 صناعة التفاهة في الإعلام الرقمي: عندما يتحوّل الجمهور إلى فاعل أساسي

بقلم : عزالدين الناجي طالب بالمعهد العالي للصحافة

لم تعد “التفاهة” في الإعلام الإلكتروني بالمغرب مجرد توصيف أخلاقي أو حكم ذوقي، بل تحولت إلى ظاهرة بنيوية تستدعي التحليل، لأنها باتت جزءًا من المشهد الإعلامي اليومي، ومن منطق اشتغاله. فالمحتوى السطحي، القائم على الإثارة والجدل والعناوين الصادمة، لم يعد استثناءً، بل أصبح في كثير من الأحيان هو القاعدة، في مقابل تراجع المحتوى التحليلي والمعرفي إلى الهامش. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: من يصنع هذه التفاهة؟

من السهل توجيه الاتهام إلى المنابر الإلكترونية أو صناع المحتوى، غير أن هذا التفسير يظل ناقصاً ما لم يُستحضر عنصر أساسي في المعادلة، هو الجمهور. فالإعلام الإلكتروني يشتغل داخل ما يُعرف باقتصاد الانتباه، حيث تُقاس قيمة المحتوى بعدد النقرات والمشاهدات والتفاعلات، لا بمستواه أو أثره. وفي هذا السياق، تكشف الممارسة اليومية أن المواد الأكثر سطحية هي الأكثر انتشاراً، بينما يظل المحتوى الجاد محدود التداول. هذا الإقبال الجماهيري هو ما يجعل التفاهة مادة مربحة، وقابلة لإعادة الإنتاج، بل ومطلوبة على حد قول المصريين” الجمهور عاوز كدا” .

في المغرب، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً: جمهور ينتقد التفاهة ويشتكي من انحدار الخطاب الإعلامي، لكنه في الوقت نفسه يساهم في ترسيخها عبر الاستهلاك المكثف لنفس المحتوى الذي يرفضه نظرياً. وهكذا، يصبح التساؤل عن “صانع التفاهة” نوعاً من الهروب من مسؤولية جماعية، لأن كل مشاهدة أو مشاركة هي في جوهرها تصويت غير معلن لصالح نموذج إعلامي معين.

هذا النقاش عاد إلى الواجهة بقوة عقب تصريحات محمد أوزين داخل البرلمان خلال الأسبوع الماضي، حين وجّه انتقادات مباشرة لبعض المنابر الإلكترونية التي، بحسبه، اختزلت النقاش العمومي في الإثارة والتسطيح، وفضّلت العناوين الجذابة على التحليل الرصين. تصريحات أمزازي لم تمرّ مرور الكرام، إذ أعقبتها مشادات إعلامية مع بعض الصحف الإلكترونية التي ردّت بأسلوب اتسم بالشخصنة والتهويل، أكثر مما انصبّ على مناقشة جوهر الانتقاد.

غير أن أهمية هذه الواقعة لا تكمن في تفاصيل الصراع، بل في دلالته. فهي تكشف مأزق الفاعل السياسي حين يحاول التواصل داخل فضاء إعلامي تحكمه منطقية الاختزال والسرعة. فالخطاب السياسي ، بطبيعته المركَبة والتفسيرية، لا ينسجم مع منطق “الترند”، وغالباً ما يُقتطع أو يُعاد تأويله ليخدم الإثارة. وهكذا، لا يُعاقَب السياسي فقط على أخطائه المحتملة، بل أحياناً على تعقيد خطابه نفسه.

وما يزيد المفارقة وضوحاً هو أن هذه المشادات، رغم نقدها للتفاهة، تحولت بدورها إلى مادة استهلاكية واسعة الانتشار. فالجمهور تابع الصراع أكثر مما تابع الأفكار، وهو ما أعاد إنتاج نفس المنطق الذي يُنتقد: الجدل بدل النقاش، والضجيج بدل الفهم. هنا تتأكد مرة أخرى حقيقة أساسية مفادها أن التفاهة لا تُفرض قسراً، بل تُكافَأ جماهيرياً.

لفهم هذا المسار بشكل أعمق، يمكن الاستئناس بما يقدمه الفيلسوف الكندي ألان دونو في كتابه «نظام التفاهة»، حيث يوضح أن التفاهة ليست انحرافاً عابراً، بل نظاماً متكاملاً يُقصي الخطاب النقدي لصالح ما هو سهل وسريع وقابل للتداول. في هذا النظام، لا يتم تهميش العمق بالقمع، بل بإغراق الفضاء العام بالرداءة، وتقديمها بوصفها تعبيراً عن “ذوق الجمهور”. وهو توصيف ينسحب إلى حد كبير على واقع الإعلام الإلكتروني، حيث يُنظر إلى الجودة أحياناً كنوع من النخبوية غير المرغوبة.

إن الإشكال، إذن، لا يتعلق بوجود محتوى تافه في حد ذاته، بل بتحوله الشكل المهيمن على النقاش العمومي. والخروج من هذا الوضع لا يمكن أن يتم عبر شيطنة الإعلام الإلكتروني، ولا عبر خطابات أخلاقية معزولة، بل عبر إعادة طرح سؤال المسؤولية المشتركة: مسؤولية المنصات الرقمية، ومسؤولية الإعلاميين، وقبل ذلك مسؤولية الجمهور في وعيه بأن استهلاكه اليومي للمحتوى يساهم مباشرة في رسم ملامح الإعلام الذي يشتكي منه.

من هنا، يصبح خطاب أوزين داخل البرلمان مثالاً حيّاً على المفارقة المغربية: ننتقد التفاهة، لكننا نُعيد تغذيتها. فطالما ظل الجمهور يمنح اهتمامه الأكبر للجدل السطحي والمشادات الشخصية، ستستمر بعض الصحف الإلكترونية في إنتاج نفس الخطاب، وستظل التفاهة صناعة مربحة. إن الخروج من هذا المأزق لا يمر فقط عبر تَقنين الإعلام أو توبيخ الصحافة، بل عبر إعادة بناء وعي جماهيري يدرك أن الاستهلاك اليومي للمحتوى هو الفاعل الخفي في تشكيل إعلام الغد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.