جريدة إلكترونية مغربية

سوسيولوجيا الامتثال الخطابي: تفكيك ظاهرة “التطبيل” في ضوء نظريات القهر والهيمنة

باريس – عبد الحق فيكري الكوش

يبحث هذا المقال في ظاهرة “التطبيل” أو التمجيد السياسي المفرط، لا بوصفها انحرافًا أخلاقيًا فرديًا أو سلوكًا نفعيًا معزولًا، بل باعتبارها ظاهرة بنيوية ناتجة عن تقاطع القهر السياسي مع الآليات الدفاعية للنفس البشرية داخل سياقات سلطوية مغلقة.

وينطلق التحليل من فرضية أساسية مفادها أن التملّق الخطابي ليس خيارًا حرًا بقدر ما هو استراتيجية بقاء اجتماعية، تنتجها بيئات تُجرِّم النقد وتكافئ الامتثال.

ويستند المقال هذا إلى أطروحات متميزة لكل من فرانز فانون، وباولو فريري، وإريك فروم، وبيير بورديو، إضافة إلى مفهوم “العجز المتعلّم” كما صاغه مارتن سليغمان، لفهم الكيفية التي يتحول بها التطبيل من سلوك عرضي إلى نمط ثقافي مستدام، ومن موقف فردي إلى هابيتوس اجتماعي يُعاد إنتاجه داخل المجال العمومي.

وفي هذا السياق، تبرز مدينة آسفي كنموذج دالّ على ما يمكن تسميته بـ“التطبيل المفرط”، حيث برزت، خلال السنوات الأخيرة، فئة من حاملي “الميكروفون” يبالغون في تمجيد المنتخبين والمسؤولين المحليين، في تناقض صارخ مع واقع اجتماعي واقتصادي متأزم. وتثير هذه الظاهرة أسئلة جوهرية حول طبيعتها: هل نحن أمام سلوك انتهازي واعٍ، أم أمام عرض نفسي–اجتماعي يعكس اختلالًا بنيويًا أعمق في علاقة الفرد بالسلطة؟

وفقًا لتحليل فرانز فانون في معذبو الأرض، فإن القهر الممنهج لا يقتصر على إخضاع الجسد، بل يعمل على تشويه الوعي وإعادة تشكيله. حيث ان الذات المقهورة، حين تعجز عن مواجهة مصدر التهديد الحقيقي، قد تلجأ إلى الاحتماء به عبر التماهي معه.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم التطبيل بوصفه إعادة توجيه للعدوانية المكبوتة نحو تمجيد القاهر، بما يمنح الفرد شعورًا وهميًا بالأمان عبر الانتماء الرمزي إلى القوة التي تقهره وتسلبه حقوقه وحقوق باقي أفراد الجماعة التي ينتمي اليها!.

ويتعزز هذا الفهم عند استحضار أطروحة باولو فريري في تربية المقهورين، حيث يبرز الإنسان الذي استدمج صورة القاهر داخل وعيه، ولم يعد قادرًا على تخيّل تحققه الإنساني خارج منطق الطاعة.
وفي غياب الوعي النقدي، تتحول الموالاة إلى فضيلة، ويغدو التطبيل ممارسة تربوية معكوسة تُعاد من خلالها إنتاج قيم الاستبداد بلغة الضحايا أنفسهم، بما يرسّخ ثقافة اللامساءلة في الوعي الجمعي.

أما من المنظور السيكولوجي، فيقدّم انا إريك فروم، في الهروب من الحرية، تفسيرًا أعمق لهذا الامتثال المفرط، معتبرًا إياه آلية دفاعية ضد قلق الاستقلال.

ان تبنّي موقف نقدي يستلزم تحمّل مسؤولية أخلاقية ووجودية، بينما يوفّر التطبيل ملاذًا نفسيًا مريحًا عبر الانصهار في الجماعة المؤيدة.
وفي هذا السياق، لا تُختار الطاعة عن قناعة راسخة، بل بوصفها هروبًا من عبء الحرية ومن القلق الوجودي المصاحب للاختيار.

ومن زاوية سوسيولوجية تفرض ذاتها، يمكن قراءة الظاهرة في ضوء تحليلات بيير بورديو، خصوصًا مفهومي “الحقل” و“الرأسمال الرمزي”.

من خلال حقل سياسي لا يُكافئ الكفاءة ولا يعترف بالاستقلالية، يتحول الولاء الخطابي إلى العملة الأكثر قابلية للصرف. و هنا يدرك الفاعل، بوعي أو بدونه، أن المديح هو السبيل الأكثر أمانًا لتحقيق الاعتراف الاجتماعي، مما يجعل التطبيل يتحول تدريجيًا إلى “هابيتوس” أو طبع اجتماعي مكتسب يُعاد إنتاجه تلقائيًا داخل المجال العمومي.

وفي هذا الإطار، يمكن الاستئناس بالبعد الأدبي–النقدي الذي قدّمه ألفونس دوديه من خلال مفهوم Tartarin de Tarascon، لا بوصفه شخصية أو حالة فردية، بل كاستعارة لخطاب متضخم يصنع أمجاده بالكلام لا بالفعل. فـ“التارتارينية” (tartarinade)، كما استُخدمت في النقد السياسي والإعلامي الفرنسي، تحيل إلى نمط من البلاغة الفارغة التي تُضخّم السلطة رمزيًا وتنتج وهم الإنجاز دون سند واقعي.

وبهذا المعنى وضمن هذا السياق ، يلتقي التطبيل السياسي المعاصر مع هذا الشكل الخطابي، لا باعتباره تضليلًا مقصودًا بالضرورة، بل كآلية تكيف رمزي داخل سياقات قهرية، يصبح فيها الخطاب التمجيدي بديلاً عن الفعل، وتعويضًا عن العجز البنيوي عن التأثير.

وتتقاطع هذه القراءات مع مفهوم “العجز المتعلّم” كما صاغه مارتن سليغمان، حيث يؤدي الإحساس المتكرر بعدم جدوى الفعل المستقل إلى توقف الفرد عن المحاولة، واستبدالها بسلوكيات تكيفية. وفي هذا السياق، يغدو التطبيل أحد أقصى أشكال التكيّف مع واقع اليأس، باعتباره إقرارًا ضمنيًا باستحالة التغيير، والبحث عن أفضل موقع ممكن داخل بنية القهر القائمة.

إن تفكيك ظاهرة “التطبيل” يقتضي تجاوز المقاربة الأخلاقية السطحية التي تختزلها في النفاق أو الانتهازية. إنها، في جوهرها، علاقة بنيوية تفرضها سياقات سياسية واجتماعية محددة.
ومن ثمّ، فإن المعالجة الحقيقية لا تكمن في إدانة الفاعلين بقدر ما تكمن في تفكيك الشروط التي أنتجت هذا السلوك، وإعادة بناء الفرد بوصفه ذاتًا نقدية فاعلة، وتحرير الوعي من سطوة ما يمكن تسميته بـ“القاهر الداخلي”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.