جريدة إلكترونية مغربية

بين الكرامة والبطولة.. ماذا بعد صافرة النهاية؟

دعاء البدري

هو المغرب الذي “ينجح” حين تُقاس الأشياء بالمعايير التقنية، ودفاتر التحملات، والصور الضخمة، والبنى التحتية الثقيلة.
لكن، أيّ مغرب هذا؟ وأيّ مغرب يُراد لنا أن نراه؟
نحن أمام تجلٍّ صارخ لما بات يُعرف بمغرب السرعتين: مغربٌ سريع، مؤهَّل، معولم، يُتقن لغة الفيفا والكاف، ويُراكم النقاط في مؤشرات الجاهزية الرياضية واللوجستيكية، ومغربٌ بطيء، مثقل، متعثر، ما تزال فئات واسعة من مواطنيه تفاوض على الحدّ الأدنى من شروط عيش حياة كريمة فيه.

تنظيم كأس أمم إفريقيا هو مشروع دولة، رُصدت فيه استثمارات بمليارات الدراهم لتأهيل الملاعب (الدار البيضاء، الرباط، طنجة، فاس، مراكش، أكادير)، وتحديث شبكات النقل، وتعزيز الطاقة الاستيعابية، وتحسين الواجهات الحضرية وفق ما أعلنته الجهات الرسمية والكونفدرالية الإفريقية، وهو مجهود لا يمكن إنكاره، ويُحسب للمغرب من حيث القدرة التنظيمية مقارنة بعدد من دول القارة.

هل تسير كل السرعات في الاتجاه نفسه؟
في الوقت الذي تُفرش فيه الطرقات المؤدية للملاعب، ما تزال طرق قروية تقطعها النساء الحوامل للوصول إلى مستوصف. وفي الوقت الذي تُرفع فيه معايير “الفيفا” و“الكاف”، ما تزال أقسام دراسية في المغرب العميق مكتظة، ومستشفيات عمومية تعاني خصاصاً بنيوياً، ما تزال البطالة في نسبتها المرتفعة، وجودة التعليم في نسبتها المتأخرة، والصحة والمستشفيات في خبر كان، والبنية التحتية القروية تتهاوى مع كل موسم شتاء، والآمال معلقة بين وعود رسمية ومشاريع نصف مكتملة ان لم تكن منعدمة.

كأس أمم إفريقيا يُسوَّق له كرافعة للتنمية، وهو كذلك نظرياً، لكن التجارب المقارنة تُعلّمنا أن الأثر الإيجابي للتظاهرات الكبرى لا يكون تلقائياً، بل مشروطاً بكيفية توزيع ثماره، وبربط الحدث بالسياسات العمومية المستدامة، لا بالاستهلاك الإداري والفرجة العابرة. فالدولة التي تُتقن تنظيم اللحظات الكبرى، مطالبة أخلاقيا وسياسيا بأن تُتقن، بالقدر نفسه، إدارة التفاصيل الصغيرة التي تُثقِل حياة الناس كل يوم. الملاعب لا تُطعم وحدها، والصور الملونة لا تعالج الفوارق المجالية، ما لم تتحوّل المناسبة إلى فرصة لإعادة طرح سؤال العدالة الاجتماعية والمجالية بجرأة.

لا أحد يعارض تنظيم كأس أمم إفريقيا، ولا أحد يُنكر أن في ذلك مكسباً كبيرا للبلاد، لكن الخطر كل الخطر أن يتحوّل الحدث إلى قناع جميل يخفي اختلالات عميقة، أو إلى لحظة إجماع صوري تُؤجَّل باسمها الأسئلة الكبيرة، الخطر أن يتحوّل الوطن إلى مشروع صورة، تُستثمر فيه الموارد لتلميع الواجهة، بينما يتآكل العمق. قبل أن يكون الوطن لوحة عرض، عليه أن يكون مساحة حياة، والدولة القوية ليست فقط تلك التي تنجح في استعراض البطولات، بل التي تنجح في جعل مواطنيها يشعرون أن هذا النجاح يخصّهم ولا يُعرض عليهم، والرهان الحقيقي ليس في أن يقول العالم “المغرب بلد منظم”، بل أن يقول المغاربة، “هذا بلد كريم ومُقوَّم”.

الوطن لا يختزل في لحظة نشوة جماعية ولا يقاس بما ينجزه في اللحظات الاستثنائية، الوطن الذي نريده ليس وطن اللحظة، بل وطن الاستمرارية، بما يضمنه في الأيام العادية، في انتظام خدماته، وعدالة سياساته، واستمرارية اهتمامه بمواطنيه.
وضعنا الوجع بين قوسين بينما في الخلفية أسئلة مؤجلة، سعداء لأن المغرب استطاع أن يربح الرهان التنظيمي، وأن يثبت قدرته على استقبال قارة بأكملها، لكنها سعادة ثقيلة، لأننا نعرف أن هذا الوجه المضيء لا يعكس كل الحكاية.

حب الوطن لا يُقاس بدرجات الصمت على أوجاعه، بل بقدرة أصحابه على القلق من أجله، والقلق عليه ليس نقيض الانتماء، بل شكله الأرقى. وإننا لنخشى أن نخرج من هذا الحدث أكبر في عيون الآخرين، وأصغر في عيون أبنائنا. نخشى أن تتقدم الواجهة، بينما يبقى العمق مؤجَّلًا، وأن نراكم الاعتراف الخارجي فيما يتآكل الجوهر تدريجيا في داخله. الوطن لا يقوى فقط بما يُقال عنه، بل بما يعاش فيه، الامتحان الحقيقي يبدأ حين تنتهي البطولة، حين تعود الحياة إلى وتيرتها، وحين يُترك المواطن وحده مع يومه وأسئلته. هناك، فقط هناك، نعرف إن كان النجاح قد تحوّل إلى سياسة، أم ظلّ استثناءً أنيقا، إن كان التنظيم قد صار ثقافة، أم بقي عرضا ظرفيًا.

نريد وطنا لا يخاف من مرآته، ولا يخير مواطنيه
بين الفخر والحق، وطنًا يُصلح قبل أن يُزيّن، ويُراكم الثقة قبل الصورة، وطنا يفهم أن العدالة ليست عبئًا على التنمية، بل شرطها، وأن الكرامة ليست ترفًا، بل أساس الاستقرار. وحين يصبح القلق العام دافعًا للإصلاح لا مصدر إزعاج، وحين تُؤخذ الأسئلة المؤجَّلة بجدية لا بتحفظ، يمكن لهذا النجاح أن يتجاوز حدود الملاعب، وأن يعبر إلى المدرسة والمستشفى والقرية والحي، حينها فقط، نكون قد ربحنا البطولة الأهم، بطولة بناء الوطن.

تعليق 1
  1. مورو محمد يقول

    مقال رائع يستحق كل التقدير
    جميلة ورائعة عبارتك “إننا لنخشى أن نخرج من هذا الحدث أكبر في عيون الآخرين، وأصغر في عيون أبنائنا. نخشى أن تتقدم الواجهة، بينما يبقى العمق مؤجَّلًا، وأن نراكم الاعتراف الخارجي فيما يتآكل الجوهر تدريجيا في داخله. الوطن لا يقوى فقط بما يُقال عنه، بل بما يعاش فيه”
    كل التشجيع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.