رحيل فيلسوف السينما داود عبد السيد : السينما الذاتية الشاعرية في حداد
في أجواء مهيبة، ودع الوسط السينمائي العربي، يوم السبت 27 شتنبر، المخرج المصري الكبير داود عبد السيد، الملقب بـ“فيلسوف السينما”، الذي انتقل إلى دار البقاء عن عمر ناهز 79 سنة، تاركا خلفه إرثا فنيا وفكريا غنيا، شكل علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية والعربية.

ولد داود عبد السيد بمحافظة القاهرة، وحصل على بكالوريوس الإخراج السينمائي من المعهد العالي للسينما سنة 1967. استهل مسيرته المهنية كمساعد مخرج في عدد من الأفلام البارزة، من بينها فيلم “الأرض” للمخرج يوسف شاهين، و”الرجل الذي فقد ظله” للمخرج كمال الشيخ، وهي تجارب أسهمت في صقل رؤيته الفنية وبناء وعيه السينمائي.

قرر عبد السيد لاحقا خوض تجربة الإخراج بنفسه، وكانت بدايته مع الأفلام الروائية، من أبرزها “وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم” سنة1976، و”العمل في الحقل” في سنة 1979. ولم يقتصر عطاؤه على الإخراج فقط، بل كان يكتب سيناريو أعماله، واضعا بصمته الخاصة على النص والصورة معا.


تميزت أفلام داود عبد السيد بعمقها الفكري والإنساني، حيث نجحت في جذب المشاهد وإدخاله في عوالمها النفسية والاجتماعية، لما تحمله من صدق وجداني وتشابك عاطفي مع شخصياتها، وهو ما جعل أعماله تتجاوز حدود الترفيه إلى التأمل والسؤال الفلسفي.
وترك الراحل إرثا سينمائيا خالدا، من خلال أفلام رسمت ملامح “علامته التجارية” الخاصة، من بينها “الصعاليك”، و”البحث عن سيد مرزوق”، و”الكيت كات”، قبل أن يقدم آخر أعماله السينمائية “قدرات غير عادية” سنة 2014.
وابتكر داود عبد السلام تيارا سينمائيا خاصا يُعرف بـالسينما الذاتية الشاعرية، التي تميزت بمفرداتها التعبيرية على مستوى الشكل والمضمون، حيث كان يبحث عن الجوانب الروحية الخفية والمجهولة في عالم تهيمن عليه المادة، ويسير من سيئ إلى أسوأ.
وقد شكل إعلان اعتزاله الفن صدمة كبيرة لمحبي السينما والنقاد، غير أن مسيرته تُوجت بحصوله على جائزة النيل للفنون، وهي أرفع جائزة يمنحها المجلس الأعلى للثقافة في مصر، وذلك سنة 2022.
ونعت زوجته، الكاتبة الصحفية كريمة كمال، الراحل عبر حسابها الرسمي على موقع فيسبوك، في وداع مؤثر لفنان عاش للفكرة والصورة.
هكذا ينطفئ نجم سينمائي فريد، ترك وراءه حمولة ثقافية وجمالية عميقة، ورغم قلة إنتاجاته، فإنها غزت البيوت قبل العقول، وظلت حاضرة في الوجدان السينمائي العربي.
إلى روحه السلام.

النعمة هباتي
طالب بالمعهد العالي للصحافة والإعلام بالدارالبيضاء