جريدة إلكترونية مغربية

الميزان الأحمر الذي لم يهزمه طوفان أسفي 

بقلم : أحمد الحضاري

 

منذ طفولتنا، وهذا الميزان العتيق يقف شامخا عند باب الشعبة كأنه يحرسه.

ننظر إليه، نحن الآسفيون كلما وطئت أقدامنا سوق المدينة، مباشرة أو باستراق أو بخِلسة..

الميزان يمثل بالنسبة إلينا، ولمن سبقونا، ولمن جاؤوا بعدنا جُزءًا من ذاكرة المكان. يقف منافسا لفخار المدينة المنتشر بالساحة وفوق رفوف الدكاكين على أمتار منه، ولأسوارها القابعة وراءَه.

المدينة العتيقة لحاضرة المحيط كلها ذكريات، تستحضر العِبَر و العبَرات. منازلها، دكاكينها، أزقتها، أبوابها، أسوارها، مدارسها، نوافذها، قيسارياتها مساجدها كنائسها..حتى ساكنتها الأصلية..

كل شيء يفوح منه عبق التاريخ.

أما الميزان فهو ممن يكتبون هذا التاريخ..

مشهَدُه اليومي الذي دأبت العين رأيته، يذكرك بعشرات الوجوه من مختلف الأعمار والأجناس التي مرت أمامه، أو وقفت عليه للحصول على أدق قراءة لوزنها، مقابل دراهم قليلة، في طقس شعبي بسيط، ونشيط.

حتى أن الذين تناوبوا بالدكان الذي وضع أمامه، رحلوا عن هذه الدنيا تباعا، وآخرهم جرفته السيول، وتركوه مستمرا في أداء وظيفته دون كلل.

فخلال الفيضانات الأخيرة التي ضربت آسفي وجرفت معها السِّلع، والمحلات، وأصحابها، سقط كل شيء تقريبا، إلا هذا الميزان. فقد ظل واقفًا، صامدا، شاهدا، متحديًا عنف مياه الوادي الذي هزمته الأمطار هو الآخر حتى لفظ كل مياهها. وحده الميزان رفض أن يسقُط، فيخضع للترميم كسائر الأشياء بباب الشعبة.

ازداد حضوره قوة بلونه الأحمر القاني، لونٌ لم تُطفِئه عوادي الزمان ولا غيّرته تقلبات الطبيعة، كأنه عنادٌ بصريّ في وجه الخراب.

لم يعد هذا الميزان اليوم أداة لقياس الأجساد، بل صار رمزًا لقياس الذاكرة، وقطعةً قد تتحول يومًا ما إلى معلمة شاهدة على الكارثة…

وعلى مدينةٍ لم تسقط كلها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.