جريدة إلكترونية مغربية

آسفي المَدينة العَريقة التي احتضَنتني بكلتيْ ذرَاعيْها 

حسَن الرّحيبي

 

إنها المَدينة الجَميلة النّائمة على ضفاف الأطلسي ، من قبل عهد الفينيقيين . التي التجأتُ إليْها في زمن الشدّة والفقر واليُتم والبؤس ، في أواخر الستّينات من القرن المَاضي . فكانتْ نعمَ الأمّ الحاضنة ، ونعم المأوى الذي أنَقذني من الجهل . وانْتشلني منْ غياهب جُبّ الفاقة والإمْلاق . وأطعمني منْ جوع بفضل نعَمه الوَفيرة في ذلك الزمان الصّعب . لقد كنّا ننعمُ فيها بأكل السردين وأصناف الأسماك الأُخرى ببَلاشْ ، وفي زمن كانتْ تُعدّ فيه أكبر ميناء للسردين في العالم . كنتَ تجد الأسماك في كلّ مكان . ولم يبخل عنّا أهلُها الكُرماء بأي شيء . كانت مدينةً جميلةً راقيةً ، تقدمُ مدارسها تعليماً حديثاً جيداً بفضل أبناء المدينة ، والمتعاونين les coopérantsالفرنسيين . الذين ساهموا في ترْقية المدينة معرفياً وفكرياً ورياضياً وثقافياً وفنياً . كما كانتْ تُقامُ فيها الاحتفالات الراقية في المناسبات الوطنية والدينية . والمواسم الثقافية والشعبية . كما كانتْ معروفةً بفرقها الموسيقية التراثية الأندلسية والموريسكية والثقافة اليهودية العريقة..وكذلك التراث الشعبي والفنون التقليدية المعروفة بعيطاتها التاريخية الجميلة التي انتشرتْ في المغرب كله . نظراً لجمالها وتأثيرها الروحي والنفسي . كالحصـبة وخربوشة . وشيخاتها المعروفة كعيدة وبنت الحسين . لمْ تكنْ آسفي أبداً في مستوىٰ منْ يريدُ حَصـر تاريخها في ما هو تافه ومنحطّ . بل كانت آسفي معروفة بمثقّفيها وأسرها ذات الصّيت الكبير . وقاعاتها السينمائية التي شاهدنا فيها أرقى الأفلام . لقد علّمتنا آسفي مباديء الحياة وفنّ العيش . والرقي الفكري والحضَاري . بسبب غنى تراثها . وخصُوبة أرضها . إنها أرضُ أولياء الله الصّالحين ، الذين مهدوا الطريق للحج ، في وقت لم يكن للمغاربة طريق للحج سوى حج الفقراء في البدّوزة . فهيّأ لهم أبو محمد صَالح طرقاً سالكة وآمنة عبر الجزائر وتونس وليبيا حتى مصر . مع مراكز استقبال تساعدهم على أداء فريضَتهم في أمن وأمَان . كان ذلك في القرن الثاني عشر ميلادي .

إنها آسفي التي أطعمتنا منْ جوع وآمنتنا من خوف .

مَا قلته عنها ما هو إلّا نزْراً يسيراً من فضَائل هذه المَدينة المظلومة في تاريخها ، والمغبونة في شبابها ومستقبلها . وظلم ذوي القُرْبى أشدّ وقعاً من السيْف المهنّد .

تحياتي لأهل آسفي الكرماء والمتواضعين .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.