جريدة إلكترونية مغربية

الالتزام القانوني للدولة بعد فيضانات مدينتي في 14 ديسمبر 2025

يوسف الادريسي

“عندما يتآكل الحق في زمن السلام، لا تنتصر العدالة في زمن الشدة، لكن حين تحمي الدولة مواطنيها في أصعب اللحظات، تتجسد الكرامة الحقيقية في قانون يطبق ويحترم .”

 

أنا ابن مدينة آسفي، شاهد ومشارك في أحداث فيضانات 14 ديسمبر 2025 التي اجتاحت أحيائنا، وتركت وراءها خسائر بشرية ومادية جسيمة. هذه الكارثة لم تزل عبئا على قلوبنا، لكنها أيضا منصة محورية لمساءلة الدولة على التزاماتها القانونية تجاه مواطنيها. ولهذا أتقدم بهذه المرافعة الحقوقية القانونية، موقعة بقلب آسفي الواعي بتاريخها وتراثها، وبعقل قانوني يبحث عن العدالة والإنصاف.

أولا، من الواجب الاعتراف بالشكر العميق للهبة الملكية السامية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والتي عكست حرصا ملكيا رفيعا على حماية المواطنين في أصعب الظروف، ووجهت السلطات إلى إطلاق برنامج استعجالي لإعادة تأهيل المناطق المتضررة وتقديم مساعدات عاجلة للأسر المتأثرة، وترميم المنازل والبنية التحتية، ودعم أصحاب المحلات التجارية لإعادة استئناف أنشطتهم. هذه الخطوة ليست رد فعل عاديا، بل تجسيد لمسؤولية دستورية عالية تجاه المواطنين المتضررين، وتحقيقا لمبادئ التضامن والكرامة التي يؤكد عليها الدستور المغربي في نصوصه العامة ويمكن تفسيرها ضمن روح حماية الحقوق الإنسانية الأساسية.

ثانيا، الهبة الملكية وحدها رغم أهميتها لا تلغي مسؤولية مؤسسات الدولة، وعلى رأسها السلطات الحكومية والجماعات المحلية، عن تنفيذ البرامج والتدابير الموكولة إليها بفعالية وفق القانون. فالقانون المغربي يتضمن آليات متاحة لتعويض ضحايا الكوارث الطبيعية، ومن بينها القانون رقم 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية، الذي ينشئ إطارا قانونيا للتعويض عن الأضرار الجسيمة الناشئة عن أحداث طبيعية غير عادية، ويستهدف توفير حماية تضامنية للأفراد المتضررين سواء من خلال نظام التأمين أو عبر آليات الدعم التضامني. الحقوقيون أكدوا الحاجة الفعلية لتفعيل هذا القانون عمليا، خاصة في مدينة مثل آسفي التي تواجه أضرارا جسيمة في الأرواح والممتلكات.

كما أن التوجيهات الملكية تقتضي تنسيقا فعالا بين السلطات المركزية والمحلية لضمان تنفيذ محكم، وليس مجرد تنفيذ شكلي أو جزئي. على الدولة أن تتولى تفعيل نظام التعويضات، وتيسير الإجراءات أمام المتضررين، وضمان عدالة التوزيع والشفافية بمعايير قانونية واضحة، لا تفسر على أساس الاجتهاد الإداري وحده، بل محكومة بمقتضيات القانون 110.14 وبالمبادئ الحقوقية الراسخة في التشريع الوطني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، التي تفرض حماية الحق في السكن اللائق والحق في الحياة الآمنة، وبما يسهل التعويض العادل لكل مواطن تضرر.

ثالثا، تأتي هذه المرافعة من منطلق قلق أعمق يتعلق بتهميش الشباب في آسفي، الذين لطالما وجدوا أنفسهم على هامش التنمية والفرص الاقتصادية، رغم ما تزخر به المدينة من تراث حضاري وثقافي هائل وموارد اقتصادية استراتيجية. فالمدينة ليست غنية فقط بموروثها الثقافي والفخاري، بل تمتلك أيضا خيرات طبيعية هائلة، أبرزها مناجم الفوسفاط والموانئ المرتبطة بها، التي تمثل ثروة وطنية كبرى يمكن أن تصبح رافعة للتنمية المحلية إذا ما استثمرت بالشكل الصحيح، بما يوفر فرص عمل حقيقية للشباب، ويعزز قدرة السكان على النهوض بعد الكوارث الطبيعية، بدل أن يظلوا مجرد متلقين للمساعدات.

من هنا، فإن الالتزام القانوني للدولة، بعد تنفيذ الهبة الملكية، ينبغي أن يشمل على الأقل:

1- تفعيل نظام التعويضات وفق القانون رقم 110.14 بشكل سريع، وضمان شفافية الإجراءات للمواطنين من كافة الفئات.

2- تشغيل الشباب المحلي في مشاريع إعادة التأهيل والبناء، وربط برامج التشغيل بالموارد الاقتصادية للمدينة، بما في ذلك الاستثمار الأمثل في خيرات الفوسفاط، لتعزيز التنمية المستدامة وتوليد فرص اقتصادية حقيقية.

3- حماية التراث الثقافي والموروث الحضاري لآسفي كمصدر اقتصادي واجتماعي، وتوظيفه لصالح المجتمع المحلي ضمن استراتيجيات تنموية شاملة.

4- إعادة النظر في البنية التحتية والشبكات الوقائية للفيضانات، مع وضع خطط وقائية فعالة لضمان عدم تكرار الكارثة.

هذه الالتزامات القانونية والتنموية ليست مطالبات عاطفية فحسب، بل تطبيق عملي لمبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة والعدالة الاجتماعية المنصوص عليها بشكل صريح أو ضمني في التشريعات الوطنية والمعايير الدولية التي صادق عليها المغرب لحماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.

ختاما، كابن آسفي، أؤكد أن الهبة الملكية العظيمة هي بمثابة منارة تضامن وإنسانية، لكنها تحتاج إلى تكاملها مع خطة وطنية ومحلية واضحة تحمي الشباب، تحمي التراث، وتستثمر الخيرات الوطنية كالفوسفاط والموروث الثقافي. نجاح هذا المسار القانوني والتنفيذي لن يقاس بمجرد إعادة المنازل، بل بمدى قدرة المدينة وشبابها على النهوض مجددا، على أن يكونوا شركاء فاعلين في رسم مستقبل آسفي الذي يستحق كل ابن من أبنائها. إن العدالة ليست فقط في التعويض، بل في خلق مجتمع متوازن، قوي، وقادر على مواجهة تحدياته الاقتصادية والطبيعية والاجتماعية، بما يحفظ كرامة الإنسان في مدينتي وحقوقه في وطنه.

 

د. يوسف الادريسي الحسني

رئيس الجمعية الفرنسية المغربية لحقوق الإنسان-باريس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.