المغرب يفقد أحد أعمدة التعليم الفني: عبد الرحيم جبراني، المبدع و المثقف
شكل رحيل عبد الرحيم جبراني، المدير المؤسس للمدرسة العليا للتصميم والفنون البصرية، ورئيس جمعية «التصميم والتنمية» عن عمر ناهز اثنتين وسبعين سنة خسارة فادحة وصدمة عميقة في الأوساط الفنية والتربوية والثقافية بالمغرب. وبرحيله، يفقد المشهد الوطني أحد أبرز الفاعلين الذين أسهموا، برؤية استراتيجية ثابتة ونَفَسٍ تربوي طويل، في إرساء دعائم تعليم التصميم والفنون البصرية، وتحديث مناهجه، وربطه بتحولات العصر ومتطلبات التنمية.

ويُعد عبد الرحيم جبراني من الرواد، إلى جانب ثلة من معاصريه، في مجال الفن الفوتوغرافي بالمغرب، كما كان فاعلًا ملتزما في حركة الأندية السينمائية، وتولى مهام مندوب فني في عدد من المعارض الفوتوغرافية الوطنية كما ساهم في تفعيل أنشطة جمعية ” همزة وصل” بعين السبع رفقة الناقد الراحل نورالدين كشطي وٱخرين. وقد اضطلع بأدوار محورية في حقل التكوين الفني، حيث شغل منصب مدير بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء ابتداء من تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يؤسس سنة 2006 المدرسة العليا للتصميم والفنون البصرية، التي تصورها فضاء للابتكار، ومنصة للانفتاح الدولي، ومجالا للحوار الخلاق بين الأصالة والحداثة. ويعكس مساره المهني قناعة راسخة مفادها أن الفن والتصميم يشكلان رافعتين أساسيتين للتنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

وإلى جانب مسؤولياته المؤسساتية، حظي عبد الرحيم جبراني بإجماع واسع حول خصاله الإنسانية الرفيعة وأخلاقياته المهنية العالية. وخلال السنوات التي قضاها في المدرسة، تميز عبد الرحيم جبراني بتسيير صارم ومنضبط، مقرون بالتزام دائم ودعم غير مشروط لطلبته. ولم يكن مجرد إداري كفء، بل كان، في العمق، فنانا فوتوغرافيا محترفا ومبدعا، تربطه بالفعل الفني علاقة حية وعضوية. وقد أسهم في تنشيط الحياة الثقافية داخل المؤسسة من خلال تنظيم لقاءات فكرية، وورشات تطبيقية، ومهرجانات وتظاهرات فنية شارك فيها الطلبة بفاعلية. ولا يزال كثير منهم يستحضر تلك التجارب المؤسسة، ولا سيما المشاركة في المهرجان الدولي للسينما بالدار البيضاء، و«ربيع المعاريف»، ومهرجان زاكورة، بوصفها لحظات تكوين وانفتاح لا تُنسى.كما طبعت بعض أعماله الفتوغرافية ٱغلفة دواوين شعرية ( ديوان الشاعر محمد الزاهر ” العالم في الجهة الأخرى ” نموذجا)


وفي حوار أجراه مع جريدة «البيان» سنة 2025، قدم عبد الرحيم جبراني قراءة نقدية واستشرافية لمسار تعليم التصميم والفنون البصرية بالمغرب، مؤكدًا على ضرورة إدماج الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وتعزيز الانفتاح الدولي للمناهج، وتطوير البحث العلمي ومنهجية التفكير التصميمي، فضلًا عن ترسيخ مبادئ التنمية المستدامة واستثمار الغنى الثقافي المغربي. واعتبر أن البيداغوجيا المعاصرة مطالبة بالتكيف مع تحولات الأجيال الجديدة، عبر اعتماد المقاربات التفاعلية، والتعلم القائم على المشروع، ومرونة المسارات التكوينية، وربط التكوين بسوق الشغل ربطًا فعليا ووظيفيا. كما منح مكانة مركزية للتراث المعماري والحرفي، لا باعتباره إرثا جامدا، بل بوصفه موردًا حيًا للابتكار المعاصر، مؤكدا أن التوازن بين الحداثة وصون التراث لا يتحقق إلا من خلال إعادة قراءة خلاقة للمعارف التقليدية بأدوات وتقنيات حديثة، مقرونة بوعي عميق بالهوية الثقافية.

ولا شك أن رحيل عبد الرحيم جبراني خلف فراغا كبيًا في حقل التعليم الفني، غير أن أثره الفكري والتربوي سيظل ممتدا، شاهدة عليه الأجيال التي أسهم في تكوينها، والمؤسسات التي ترك بصمته في مسارها. وإذ نتقدم إلى أسرته وأقاربه، وكافة أصدقائه وزملائه، بأحر عبارات التعزية والمواساة، فإننا نستحضر مسارا غنيا بالعطاء، سيظل مصدر إلهام لمغرب مبدع، منفتح، ومتشبث بقيمه الإنسانية والثقافية.