جريدة إلكترونية مغربية

كلمات في ذكرى وفاة خالد الجامعي آخر من آمنوا بالصحافة ديناً لا مهنة

ثمة رجالٌ لا يرحلون حين يموتون، بل يتحوّلون إلى أسئلة مُلحّة ومقلقة تطارد وعي الأجيال، وخالد الجامعي (1944-2021) واحدٌ من هذه القامات الاستثنائية؛ ليس لأنه كان شخصاً فوق النقد أو مُنزهاً عن الخطأ، بل لأنه جسّد ما هو أندر من ذلك بكثير: إنساناً ظلّ وفياً لنفسه وقناعاته في زمنٍ كانت فيه الخيانة أيسر السبل وأكثرها ربحاً، ولعل خير ما يلخص تصالحه مع ذاته كلمته التي كان يرددها بفخر واطمئنان: «من حسن حظي أنني بدأت في اليمين لكي أنتهي في اليسار».

 

ولم تكن نقطة الانطلاق في هذا المسار الحافل نبتة شيطانية، بل كانت امتداداً طبيعياً لجينات بيئة فريدة؛ فالرجل الذي وُلد في الدار البيضاء عام 1944، تزامن قدومه إلى الدنيا مع العام نفسه الذي وقّع فيه والده على وثيقة المطالبة بالاستقلال، لينشأ في كنف بيتٍ يتنفس الموقف ويأنف المنفعة. ولم يكن والده فقيهاً تقليدياً منزوياً في ظلال الماضي، بل كان — كما وصفه ابنه دائماً — «ثورياً حقيقياً، خرج من القرويين إلى رحاب الحداثة»، وهو ذاته الرجل الذي تجرأ في عام 1941 وطلب من زوجته أن تقص شعرها وتخرج إلى الشارع قائلاً لها: «على الناس أن يروا زوجة الفقيه كي ندخل القرن العشرين»؛ ولم يكن هذا السلوك ترفاً فكرياً، بل كان إعلاناً مبكراً بأن الحرية ممارسة يومية تُعاش خلف الجدران قبل أن تُطالب بها الحشود في الميادين.

 

هذه النزعة التحررية المبكرة واكبت الجامعي في سنوات شبابه الأولى، وتحديداً في ثانوية «ليسي ديكارت» بالرباط حيث كان يدرّس اللغة العربية لأبناء النخبة، وهناك اصطدم بوعي مبكر بعنجهية أبناء الجنرالات الذين كانوا يرددون أمامه بغطرسة: «تعياو ما تخدمو، حنا في الآخر غادي نخرجو ونحكمو عليكم»؛ لم يمرر الجامعي هذه العبارة مرور الكرام، بل حفرها في ذاكرته كشاهد حي على أن الاستبداد لا يولد في قصور السلطة فحسب، بل يترعرع في مقاعد الدراسة ويتغذى من الامتيازات الطبقية. وتلك الشجاعة التي ترفض الإذعان ظهرت مجدداً في مغتربه الأمريكي، حين رفض وسط حشد يضم أكثر من 35 ألف شخص الوقوف احتراماً لعلم إسرائيل، معلناً بملء الصدر معارضته لاحتلال فلسطين، في برهان ساطع على أن المواقف لديه كلٌّ لا يتجزأ.

 

هذه الصلابة الفكرية حملها معه إلى معترك الصحافة حين بدأ مسيرته في أسبوعية «لوبينيون»، لسان حال حزب الاستقلال الناطق بالفرنسية، محوّلاً إياها بذكائه إلى منبر للنخبة يتجاوز السقف الحزبي الضيق ويشاكس الرقابة المخزنية؛ غير أن اللعب مع النار لا بد أن يترك أثراً، ففي يناير 1973، دفع الثمن اعتقالاً تعسفياً دام ستة أشهر دون محاكمة، تذوق فيها مرارة التعذيب لمجرد أنه تجرأ على نشر صورة للأمير رشيد طفلاً مع التشكيك في هويته. غير أن غرف الاحتجاز المظلمة لم تكسر روحه ولم تزرع الخوف في قلبه، بل صهرت قناعاته وخرج منها ببوصلة شديدة الدقة، عرف بها أين تقف حدود السلطة وأين يقف هو، دون أن يضل الطريق بعدها أبداً.

 

ومع تأسيس نجلِهِ البكر أبوبكر لتجربة «لوجورنال»، لم يكن انتقال الجامعي للأسبوعية الجديدة مجرد تحول في الهوية المهنية، بل كان إعلاناً عن بدء معركة جديدة تؤمن بأن الصحافة المستقلة هي الميدان الحقيقي للحرب، وليست أروقة الأحزاب وصالوناتها؛ وهناك، ومن خلال عموده الأسبوعي، وجّه مبضعه النقدي نحو سياسات وزير الداخلية القوي الراحل إدريس البصري في زمن كان الصمت فيه سيد الأحكام. وحين سأله البصري يوماً بوعيده الشهير: «شكون نتا؟»، واجهه الجامعي بعينين لا ترفان وبثبات رجل يعرف جيداً أن السؤال الأهم ليس من تكون في نظر السلطة، بل هل تملك الشجاعة لتبقى واقفاً حين ينفضّ الجميع من حولك؟.

 

ولأن مواقفه لم تكن حبيسة الصراع السياسي الضيق، فقد امتدت مباضعه النقدية إلى الثقافة الشعبية السائدة، إذ التفت مبكراً إلى كرة القدم ليرى فيها سلاحاً قديماً متجدداً لتخدير الشعوب وصرفها عن قضاياها الحقيقية، واصفاً إياها بعبارته الدارِجة اللاذعة: «عضم كايعطيوه للمغاربة يقددوه»، ومؤكداً بالأرقام أن الميزانيات المهدورة على المستطيل الأخضر منذ الاستقلال كانت كفيلة ببناء «500 مدرسة و500 مستشفى»؛ وتلك كانت شجاعة من طراز فريد، أن تهاجم اللعبة التي يعشقها الملايين لأنك تبحث عما ينفعهم حقاً، متحملاً في سبيل ذلك العزلة وسخرية العوام.

 

بيد أن المفارقة الأجمل والأنبل في سيرة هذا الرجل تتجلى في غياب الحقد عن قلبه رغم كل ما تجرعه من تضييق وتهميش؛ فقد كان يجلد خصومه اليوم بقلم صارم لا يرحم، ثم يلقاهم غداً بقلب مصفى ويد ممدودة لا تحمل أي ضغينة، مدفوعاً بإيمان عميق أزعج مناوئيه بقوة، ومفاده أن الإصلاح الحقيقي ممكن من داخل البنيات القائمة، وظل يردد هذه القناعة ويدفع فواتيرها الباهظة وهو يعاين بحسرة كيف تتساقط أقلام كثيرة من حوله وتباع في أسواق النخاسة بأبخس الأثمان.

 

وعلى الرغم من أن الموت غيّب الجامعي وفي حلقه غصة وخيبة أمل لم يدارِها يوماً، إلا أن جذوة التفاؤل لم تنطفئ في روحه حتى الرمق الأخير، لتأتي كلماته الأخيرة بمثابة الوصية المقدسة لكل من يمسك بقلم: «عيت وخاب أملي، ولكنني مؤمن بمستقبل أفضل»؛ وفي هذه الثنائية يختزل رحلة عمر بأكمله، فالخيبة لديه لم تكن يوماً رديفاً للاستسلام، والأمل لم يكن سذاجة عابرة، وبينهما مساحة ممتدة من النزاهة والأنفة عاشها يوماً بيوم على مدار سبعة وسبعين عاماً.

 

وفي هذا الزمن الراهن الذي تلاطمت فيه أمواج المشهد الإعلامي في مستنقعات التطبيل والتشويه والتشهير، وتحول فيه بعض الأدعياء إلى أبواق مأجورة تطوف حول موائد أصحاب المال والنفوذ، يرتد صدى غياب خالد الجامعي كجرح غائر وموجع؛ ليس لأن الساحة تفتقر إلى من يتقنون الكتابة، بل لأنها باتت قاحلة من ذلك الطراز النادر من الرجال الذين يكتبون بمداد الضمير قبل حبر القلم، ويختارون دائماً — كلما كان الثمن فادحاً — أن يعيشوا ويموتوا أحراراً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.