جريدة إلكترونية مغربية

هكذا ينتهي المطاف…حين يجتمع العوز الشديد و المرض …

ليس لأن الإنسان ضعيف، بل لأن المجتمع احيانا يعتاد رؤية الضعفاء حتى يصبح وجودهم جزءا من المشهد، دون أن يسأل أحد: لماذا وصلوا إلى هنا؟

حين يكون المواطن ابن أسرة بسيطة، لا يملك نفوذا ولا مالا ولا واسطة، يصبح في كثير من الأحيان آخر من يلتفت إليه. يمرض بصمت، ويتألم بصمت، ويعيش معاناته بصمت، حتى إذا انتهت حياته أو وجد نفسه ملقى في الشارع، يبدأ الجميع في البحث عن الأعذار بدل البحث عن المسؤوليات.

 

الأكثر قسوة أن أول ما يقال بعد كل مأساة هو: “كان مختلا عقليا” أو “كان متشردا”، وكأن هذه الكلمات أصبحت بطاقة تعفي المجتمع والمؤسسات من واجبها. لكن السؤال الحقيقي هو: وإذا كان يعاني فعلًا من اضطراب نفسي، فمن المسؤول عن حمايته؟ أليس المريض النفسي مواطنا له حقوق يكفلها الدستور والقانون والمواثيق الدولية؟ أم أن حقوق الإنسان أصبحت تمنح فقط لمن يملك المال والنفوذ؟

 

إن المرض النفسي ليس جريمة، والتشرد ليس اختيارا دائما، والفقر ليس عيبا. العيب الحقيقي أن نرى انسانا ينهار أمام أعيننا ثم نكتفي بتصنيفه بدل إنقاذه.

 

هناك من يولد وأبوه برلماني، أو رجل أعمال، أو صاحب شركات وعقارات، فيجد الأبواب مفتوحة أمامه، وهناك من يولد ابنا لدرويش بسيط، لا سند له إلا الله، فيقضي عمره يصارع الحياة وحده. وعندما يسقط، لا يجد سوى الرصيف يحتضنه، ثم بعد وفاته تبدأ التبريرات: “كان يعاني من اضطرابات”، “كان في وضعية تشرد”، “لم يكن طبيعيا”… وكأن هذه العبارات تمحو مسؤولية كل من كان قادرا على التدخل.

 

إن الرأي العام اليوم لا يحتاج إلى صور مؤثرة فقط، بل يحتاج إلى طرح أسئلة مؤلمة:

 

أين كانت الجهات التي يفترض أن ترعى الفئات الهشة؟

أين خدمات الصحة النفسية والاجتماعية؟

أين الجمعيات والمؤسسات التي تتحدث عن الكرامة والحق في الحياة؟

ولماذا يتحرك الجميع بعد المأساة، بينما كان الصمت سيد الموقف قبلها؟

 

نحن لا نجزم بسبب هذه الحالة ولا نوجه اتهامات إلى أي جهة دون دليل، لكننا ندعو إلى محاسبة الضمير قبل أي شيء آخر. لأن المجتمع الذي يترك أبناءه يسقطون واحدًا تلو الآخر ثم يبرر سقوطهم، مجتمع يحتاج إلى مراجعة أولوياته.

 

فالإنسان لا يفقد حقه في الكرامة لأنه فقير، ولا لأنه مريض، ولا لأنه بلا مأوى. الحقوق لا تقسم بين عقلاء ومختلين، ولا بين أغنياء وفقراء، بل هي حق لكل إنسان.

 

ويبقى السؤال الذي يجب أن يهز الرأي العام:

كم شخصا آخر يجب أن ينتهي به المطاف على الرصيف، حتى ندرك أن المشكلة ليست في الضحية وحدها، بل في منظومة كاملة اعتادت تبرير المأساة بدل منعها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.