جريدة إلكترونية مغربية

عندما ننتقد فلأجل البناء: “واتساب” وزارة الصحة يهزم غطرسة الأبواب المغلقة بالقنيطرة

لطالما شخصنا أعطاب المنظومة الصحية، وكتبنا بجرأة عن اختلالاتها، وانتقدنا ما يستحق النقد دفاعًا عن كرامة المواطن وحقه في الولوج إلى الخدمات الصحية. لكن النقد الحقيقي لا يكتمل إلا بالاعتراف بالنجاحات حين تتحقق. واليوم لسنا بصدد جلد الواقع أو اجترار الأعطاب، بل أمام تجربة تستحق التوثيق لأنها تقدم نموذجًا عمليًا لكيف يمكن للمواطنة الرقمية أن تنتصر على الشطط والبيروقراطية والعقليات المتجاوزة.

القصة ليست من نسج الخيال، بل وقعت داخل إحدى المؤسسات الصحية بمدينة القنيطرة. مواطنة وجدت نفسها أمام شخص يمارس سلطة لا يخولها له القانون، وينصب نفسه حارسًا على أبواب المرفق العمومي، يطرح الأسئلة حول أسباب الزيارة، ويستفسر عن معطيات شخصية، ويقرر من يلج ومن لا يلج، وكأنه يمتلك صلاحيات إدارية أو قانونية لا سند لها.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تم إخبار المرتفقة بأن الإدارة غير موجودة أو غير متوفرة، في سلوك يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام حق المواطنين في الولوج إلى المرفق العمومي والحصول على المعلومة والخدمة في الظروف القانونية والإدارية السليمة.

في زمن ليس ببعيد، كانت مثل هذه الوقائع تنتهي غالبًا بإحدى نتيجتين: إما شكاية ورقية تتيه بين المكاتب والإدارات، أو منشور غاضب على مواقع التواصل الاجتماعي يثير الجدل دون أن يحقق الأثر المطلوب. غير أن المعنية بالأمر اختارت طريقًا آخر؛ طريق المؤسسات والقانون والرقمنة.

عبر خدمة “واتساب” المخصصة لتلقي شكايات المواطنين بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، أرسلت شكايتها مدعومة بالمعطيات والقرائن المتوفرة. لم تلجأ إلى التشهير، ولم تبحث عن الإثارة الرقمية، بل وضعت ثقتها في الآليات المؤسساتية وانتظرت النتيجة.

وجاء الرد أسرع مما كان يتوقعه كثيرون. لم تتحول الشكاية إلى مجرد رسالة إلكترونية مهملة، بل تم التفاعل معها بشكل فوري، حيث تواصلت الجهة المختصة مع المواطنة، وتم الاستماع إلى تفاصيل الواقعة بكل جدية ومسؤولية، مع فتح البحث في الموضوع واتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة وفق المساطر المعمول بها.

ولا يتعلق الأمر هنا بارتياح شخصي لمواطنة تم الإنصات إليها، بل بانتصار لفكرة أكبر: أن الرقمنة قادرة على تقليص المسافات بين المواطن والإدارة، وأن الشكاية الرقمية أصبحت أداة فعالة للمراقبة والتبليغ وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن المرافق العمومية، بما فيها المؤسسات الصحية، وجدت لخدمة المواطنين لا لعرقلة ولوجهم إليها. فالفصل 154 من دستور المملكة المغربية ينص على أن المرافق العمومية تنظم على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها. كما يؤكد الفصل 31 التزام الدولة والمؤسسات العمومية بتيسير استفادة المواطنين من الحق في العلاج والعناية الصحية.

وعلى المستوى الدولي، يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة والولوج إلى الخدمات الضرورية دون تمييز أو تعسف أو عراقيل غير قانونية.

ومن هذا المنطلق، فإن منع مواطن من ولوج مؤسسة عمومية دون سند قانوني، أو إخضاعه لاستفسارات لا تدخل ضمن الاختصاصات المخولة قانونًا، أو تقديم معطيات غير دقيقة حول وجود الإدارة أو غيابها، كلها ممارسات تستوجب المراجعة والتصحيح حفاظًا على كرامة المرتفق وهيبة المرفق العمومي واحترامًا للقانون.

غير أن هذه الواقعة تطرح، في المقابل، أسئلة جوهرية لا يمكن تجاهلها:

▪ إلى متى سيستمر بعض الأشخاص داخل المرافق العمومية في ممارسة أدوار وصلاحيات لا يمنحها لهم القانون؟

▪ كيف يمكن أن يتحول مدخل مؤسسة عمومية إلى نقطة استجواب للمرتفقين بدل أن يكون فضاءً للاستقبال والتوجيه؟

▪ لماذا لا يتم تعميم النماذج الرقمية الناجحة لتلقي الشكايات وتتبعها على مختلف المؤسسات والمصالح العمومية بالمملكة؟

▪ وكيف يمكن تحويل هذا التفاعل السريع مع الشكايات من مجرد رد فعل ظرفي إلى ثقافة مؤسساتية دائمة تعزز الشفافية وتحارب كل أشكال الشطط والتجاوز؟

إن الجرأة الحقيقية ليست في انتقاد المسؤولين فقط، بل كذلك في الإشادة بهم عندما يحسنون التدبير ويتفاعلون مع قضايا المواطنين. ومن هذا المنطلق، فإن التفاعل الإيجابي مع هذه الشكاية يستحق التنويه، لأنه يعكس وجهًا آخر للإدارة العمومية التي تنصت وتتفاعل وتصحح الأخطاء.

فالرقمنة لم تعد ترفًا إداريًا أو خيارًا ثانويًا، بل أصبحت إحدى أهم أدوات الحكامة الجيدة. وفي زمن الدولة الرقمية، لم يعد المواطن مضطرًا للوقوف طويلًا أمام الأبواب المغلقة، لأن رسالة واحدة موثقة قد تكون كافية لتحريك المساطر، وإسقاط أوهام السلطة الوهمية، والتأكيد أن كرامة المواطن ليست موضوعًا للتفاوض أو المزاج الشخصي، بل حق يكفله القانون وتحميه المؤسسات.

وعندما ننتقد فلأجل البناء، فإن من واجبنا أيضًا أن نعترف بأن هناك مؤسسات وآليات بدأت تثبت أن صوت المواطن يمكن أن يصل، وأن القانون ما زال قادرًا على طرق الأبواب التي يعتقد البعض أنها مغلقة إلى الأبد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.