جريدة إلكترونية مغربية

قراءة في ديوان ” سيدتي” للشاعر عبد العزيز فتحاوي

LAVIGIE.MA– الأستاذة/ لطيفة بورضا

تجلياتُ الرؤية الصوفيّة ضمن  فضاء النصِّ الشعري

تعدُّ تجربة الشاعر عبد العزيز فتحاوي في ديوانه (” سيدتي”) تجربة ذات مستويات متعدّدة فالنص الشعري ليس مجرد نفثات وجدانية تعكس لنا تجربةً ذاتية بل هو ناتج عن تفاعلٍ موضوعي بكل سياقاته التاريخية والمعرفية متفاعل مع ذات الشاعر التي تشاكلت مع هذه البنى لتكوّن منظومة معرفية بتحويل التجربة الذاتية للشاعر إلى موضوع تأملي يتحول إلى مفهوم ويكون امتداداً أصيلاً متواشجاً مع إرث الشاعر الثقافي الذي حلّ واتّحد بأيقوناته الشعرية التي هي امتداد ملتزم تعكس انتماء نصه الشعري لمن سبق ونمو متناغم مع مسيرة الحداثة والحياة فالقصيدة عند عبد العزيز فتحاوي بقيت هويتها المرجعية منتميةً إلى الجنس الأدبي الذي انبثقت منه فهو شاعر متمسكٌ بتقاليد الشعر وروحه وموسيقاه وكأنه يجسد قول تِ– سِ– أليوت : (( الشاعر الكبير هو الذي يذكّرك  بسابقيه )) فنصوص الشاعر كانت ذات ذخيرة فاعلة بما يضيء في هيكلها من خطوط سياقية مألوفة  لدى القارئ الواعي لذلك  تجعل من فعل القراءة  تفاعل بين ذات الشاعر وذات القارئ من خلال هذه الذخيرة  التي تشكل منطقة مألوفة في النص بِدءً من عتبات عنونة قصائده إلى بعض ما يشترك فيه الشاعر مع معاصريه من وعي بثيمات تراثية غنية الإشارات الدلالية فجاء النص الشعري ممتصاً للكثير من السياقات التراثية التي تضيء إدراكنا بفهم المغزى البعيد والذي يكون بعد تأويل وتفسير مما يعكس غنى نصوص الشاعر وثرائها المعرفي على الرغم مما فيها من حسّ شعري مرهف وموسيقى تفتح من قاعدة النص أفقاً إيحائياً  وتكون هذه النصوص الشعرية  ذات لغة صوفية من خلال القاموس الصوفي الذي تجلت عباراته العرفانية في بنى القصائد اللغوية لتكون نقاطاً دلالية مضيئة تتجاوز معانيها العميقة حدود النص الشعري.

لقد تمظهرت في بنى قصائد عبد العزيز فتحاوي تجليات احتشاد ذاكرته الشعرية بالمفردات والصيغ السياقية التي تنتمي إلى المعجم العرفاني الصوفي ذو المنظومة الترميزية الذي أزاح المفردات والتراكيب من معانيها المعجمية إلى معانٍ اصطلاحية ذات إشارات متعددة المستويات المعرفية فنجد الشاعر باستخدامه لهذه المفردات والتراكيب كان على وعي بوظائفها الدلالية وتوهجها الرمزي لتتمظهر ذات الشاعر العارفة والمتلاشية بدوامات الامتزاج الكوني والاتحاد بكل الموجودات والحلول بها فهو كما الحلاج الثائر ومحي الدين ابن عربي صاحب فلسفة الحلول والاتحاد الصوفية  في تشفير قصائدهم ببعض الرموز التي تدل على المعشوق المطلق المتجسّد في كل شيء ويكون له خطاب صوفي يحمل رؤى وجودية عميقة تتجاوز حدود الترجمة الحرفية للكلمات فلقصيدته بنيتان ( البنية السطحية ) التي تقودنا بتأملها وإدراكها  إلى مغزى (البنية العميقة ) ولكل بنية دور فالخطاب الشعري عند الشاعر حينما يتمحور في إطار الرؤية الصوفية نجد أن القاموس الشعري يختلف ليتجه نحو التراكيب المتعددة المستويات ويكون هناك معانٍ كامنة تشكل وجوداً موازياً لخارطة النص الكتابية ويتجلى الوجود الاستنباطي من خلال تزاحم البناء الشكلي بالإشارات الترميزية التي تحمل شفرات متعددة تحيل القارئ الواعي إلى أفق متخيل.

إنّ الشاعر عبد العزيز فتحاوي شاعر ممتلئٌ بفيوض الشعر المقدسة وينتمي بأصالة إلى وادي عبقر وشيطان شعره حاضر في تجربته الشعرية فهو يمتلك جذوة الشعر وعمق التجربة الحياتية مع الوعي والمعرفة الواعية بالصنعة الشعرية ومدرك لأسرار اللغة وكيفية تشكيل التراكيب الشعرية المموسقة التي توضع في نوطات عروضية لتشكل جملاً شعرية نغمية غنية المعنى عميقة الدلالة فهو شاعر يحمل وعاء الشعر المقدس ليقدم فيه معانٍ إنسانية ونفثات ذاتية وقصائده ذات بصمة وراثية تنتمي في جذورها لفن الشعر كجنس أدبي له هوية تمايزه عن فن النثر ليكون الشعر عنده شكلاً أصيلاً لا ينفصل عن جذوره الضاربة في أعماق إرث الشاعر الثقافي ومعبراً عن صراعات الشاعر الوجدانية التي تشترك بثيماتها مع تجارب المتلقي ويحقق قصدية الكتابة من التأثير والتأثر فإيحائية الجملة الشعرية تجعل لكل متلقٍ تأويله لما في الجملة الشعرية من طاقة إيحائية متعددة المستويات والتي تشترك مع تجارب المتلقين المختلفة وتلتقي معهم في نقاط وصل وجدانية وهذا ما يعكس غنى النص الشعري من حيث ذخيرته المألوفة لدى الذوات المختلفة التي تتفاعل مع النص والشكل الشعري ببنائه المعماري الذي حمل كل مكونات الشعر المضمونية والشكلية وكان الشكل الشعري ذو بناء عضوي متماسك يتكون من تراكيب ومفردات مكثفة تختزل الكثير من المعاني وذو صيغ موجزة ذات إيقاع وزني يتناغم مع الحالة الشعورية لفاعل النص وتكون ذات طاقة تأثيرية في المتلقي فامتدادات بحر الكامل وترددات الرجز النغمية جاءت ضمن منظومة أسلوبية وصيغ بلاغية تتطابق مع ملامح الشعر الحقيقية فقد أورد الشاعر معانية بطرق بلاغية متعددة من استعارات موحية وكنايات معبرة وتشكيل متقن للصورة الشعرية التي ضمنها  يتحرك الجامد  وتتراسل الحواس وتنتقل الوظائف  الحسية  وفق المفارقة  والإدهاش.

ويظهر ذلك من خلال مقدمةالديوان الشعري للشاعر عبد العزيز فتحاوي ” سيدتي”، حيث يقول:

لقد اقتحمت على القرطاس بياضه الملائكي،  وأعملت فيها القلم أيما إعمال، أبته شجوني ولواعج الوجدان لكني تعجبت  للقرطاس لما أناخ الجناح وألان العنان وتحمل  تيه اليراع، فأيقنت أن ذلك من هيامه بهذا المخلوق الجميل،المرأة…

لكني في نفس  الآن تنبهت إلى أن هذا  اللين والحنين من القرطاس  يشف عن  مكر حافي محمود ، إذ يملي  لي لأجرد المرأة وارى  فيها مجرد  أنوثة صارخة، لكني لست  ذاك الرجل ، فأبنت له في هذه الشذرات أني أرى في المرأة أما وزوجة وبنتا، وأنها رمز لكل شيء جميل، وأنها لماما ليست المقصودة في ذاتها، بل رمز وإشارة.

فهي تشاطر كل ما هو رقيق وارق وجميل في الكون، فقد أراها في عليل نسمة أو رشدا زهرة أو أنة ناي ووتر ة…فكانت فعلا بذاك سيدتي المرأة.

حينما يتسرب الجمال والبهاء من بين فجوات الأشعار وحينما تكون نصوصها حبلى ببديع الصور ورشيق الكلمات وجميل العبارات، يجد القارئ للفن نفسه مشدودة ومتوثبة للتعرف على الأنامل المبدعة التي حركت النفس واستفزت الخيال في الرسم بالكلمات.

كان هذا ما بصمته أنامل المبدع عبد العزيز فتحاوي حينما جادت قريحته بإصدار ديوان شعر تحت عنوان ” سيدتي” والذي  كان إهداء لك سيدتي أصدره في شهر مارس، شهرك بامتياز وما بين عيديك”عيد المرأة” و” عيد الأم”.

ديوان يحتفي بجمال وجودة الإخراج والطباعة فهو حديقة غناء وارفة الظلال زكية الثمار والمتعة الأدبية كرس فيه لك سيدتي أجمل عبارات القداسة والتبجيل ليخرجك من الصور النمطية التي تقوم على التشييئ، فهو إهداء لك منه سيدتي أما كنت أم زوجة أم ابنة.

ذلك هو ((” سيدتي”)) في مرحلة من عمر الشاعر الأستاذ عبد العزيز فتحاوي، موسم لم يخل قطافه من جفاف و يبوسة، ومع ذلك، تمكن الأستاذ الشاعر باقتداره على اقتناص التجربة، و استيعابها وتمثلها وإفراز عناصر الحياة و البقاء و الاستمرار و الخصوبة فيها، أن يعبر لنا عن تلك التجربة بصدق و إخلاص ونزاهة، أقول نزاهة لان الشاعر كان صادقا مع نفسه ومع الشعر ومع القارئ.
وحينما يجد قارئ الشعر ـ في هذا الزمن ـ النزاهة و التجرد في القصيدة التي يقبل على قراءتها والدخول في عالم مبدعها، فقد وجد شيئا كثيرا يقل وجوده وتندر رائحته هذه الأيام في القصيدة المغربية الحديثة.

ديوان (سيدتي) الطبعة الأولى 2017 يقع في 39 صفحة من الحجم المتوسط ويضم 18 قصيدة( أمي، لم يفهموك سيدتي، هدية سيدتي،  ستظلين فتاتي، عيدك سيدتي، لا تبكي، سيدة النساء، سألتني أتحبني، أحبيني كيف شئت، لا تصمتي، لا تلوني وجهك، ملاكي الأبيض، كنت كأمي، كان لابد أن أختفي، عشق الكبار، أبكي أبتي، أنا أعرف وطني، أنا المغربي).

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.